كفارة النذر سؤال يتكرر كثيرًا على ألسنة من نذر نذرًا ثم عجز عن الوفاء به، أو نذر نذرًا مبهمًا لم يحدد فيه ما يريد، أو ندم على نذره وأراد الخروج منه بأيسر طريق شرعي. ومعظم ما يُكتب في هذا الباب على مواقع الفتوى إجاباتٌ متفرقة، كل واحدة تجيب عن حالة بعينها سُئل عنها صاحبها، فيبقى القارئ حائرًا لا يدري أين تقع حالته من بين عشرات الفتاوى المبعثرة. هذا المقال يجمع لك المسألة كاملة في موضع واحد: تعريف النذر وحكم إنشائه، الأنواع الخمسة للنذر وحكم كل نوع على حدة، مقدار كفارة النذر وصورها الأربع كما وردت في كتاب الله، ثم حالات خاصة وأسئلة شائعة يقع فيها كثير من الناس. وكل حكم هنا مسنود بدليله من القرآن والسنة، مع ذكر من أخرج كل حديث ودرجته عند أهل العلم، حتى تبني حكمك على أساس صحيح لا على فتوى مقتطعة من سياقها.
تعريف النذر وحكم إنشائه في الإسلام
النذر في اللغة: الإيجاب والإلزام، وفي الشرع: أن يُلزم المكلَّف نفسه بشيء غير واجب عليه أصلًا، تقربًا إلى الله تعالى؛ سواء كان ذلك بلا شرط، كقول القائل: "لله عليّ صيام ثلاثة أيام"، أو معلّقًا على أمر يرجوه، كقوله: "إن شفى الله مريضي فلله عليّ صدقة كذا".
وخلافًا لما يظنه كثيرون من أن الإكثار من النذور قربة يُستحب التزامها، فإن الأصل في إنشاء النذر عند جمهور أهل العلم أنه مكروه لا يُستحب، لحديث النبي ﷺ: "النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ" [رواه مسلم]. ومعنى الحديث أن النذر لا يُغيّر ما قدّره الله أصلًا؛ فمن نذر الصدقة إن شُفي مريضه لم يكن نذره سبب الشفاء، وإنما يظهر أثر النذر في حمل النفس الشحيحة على إخراج ما كانت تتردد فيه بلا نذر.
لكن هذا الحكم يخص إنشاء النذر ابتداءً، أما بعد وقوعه فالأمر مختلف تمامًا؛ فإن كان النذر في طاعة وجب الوفاء به على الفور متى قدر عليه الناذر، لقول الله تعالى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: 29]، ومدحِه سبحانه للموفين بنذورهم في قوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان: 7]. وأصل ذلك في السنة حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ" [رواه البخاري]. وهنا تحديدًا تظهر أهمية التفريق الذي يغفل عنه كثيرون: فكفارة النذر ليست بديلاً يختاره الناذر كلما كسِل عن الوفاء بما التزم به، وإنما هي مخرج شرعي في حالات محددة سنُفصّلها في الفقرات التالية.
متى تجب كفارة النذر؟ وحدودها الأربعة
هذا هو موضع الخلط الأكبر عند كثير من السائلين: فمن نذر نذر طاعة معلومًا وهو قادر على الوفاء به، لا تُجزئه كفارة اليمين بديلاً عنه ولو أخرجها؛ لأن الأصل وجوب الوفاء بعينه لا بما يقوم مقامه. وكفارة النذر إنما تجب في أربع حالات فقط:
- إذا نذر نذرًا مبهمًا لم يحدد فيه نوع الطاعة.
- إذا نذر نذر معصية.
- إذا نذر نذر لجاج وغضب واختار الكفارة بدل الوفاء، على تفصيل بين العلماء سيأتي.
- إذا عجز عجزًا تامًا لا يُرجى زواله عن الوفاء بنذر طاعة كان قادرًا عليه حين النذر أو صار عاجزًا عنه لاحقًا.
أما العجز المؤقت، كالمرض العارض الذي يُرجى الشفاء منه، فينتظر فيه المسلم حتى يقدر ثم يفي بنذره كاملًا، ولا كفارة عليه في مدة الانتظار؛ لأن الوقت لم يفت بعد، وهذا يشبه حكم المريض في رمضان الذي ينتظر حتى يُشفى فيقضي، لا أن ينتقل مباشرة إلى الفدية.
أنواع النذر الخمسة وحكم كل نوع
يقسّم الفقهاء النذر - تبعًا لما نقله الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم عند كلامه على حديث "كفارة النذر كفارة يمين" - إلى الأنواع التالية، ولكل نوع حكمه المستقل:
1. نذر الطاعة (نذر التبرر): هو أن يلتزم المسلم فعل عبادة مشروعة كالصلاة أو الصيام أو الصدقة أو الحج أو الاعتكاف، سواء كان مطلقًا بلا شرط، كقوله: "لله عليّ صيام ثلاثة أيام"، أو معلّقًا على نعمة يرجوها أو نقمة يدفعها، كقوله: "إن نجح ابني في الامتحان فلله عليّ عمرة". وحكمه: وجوب الوفاء به بإجماع أهل العلم متى تحقق شرطه إن كان معلّقًا؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" [متفق عليه]. فإن عجز عجزًا مؤقتًا انتظر حتى يقدر، فإن استمر عجزه حتى صار غير مرجو الزوال انتقل إلى كفارة يمين، وهذا هو الموضع الوحيد الذي تدخل فيه الكفارة على نذر الطاعة. ومما ينبغي التنبه له أن كون الوفاء معلّقًا على نفع دنيوي (كالشفاء أو النجاح أو الترقية) لا يجعل النذر مكروهًا أو باطلًا ما دام المنذور نفسه طاعة؛ فهذا نذر تبرر صحيح يلزم الوفاء به بالاتفاق.
2. النذر المبهم (غير المسمى): هو أن يقول الناذر: "لله عليّ نذر" دون أن يحدد نوع الطاعة التي التزم بها. وحكمه عند أكثر أهل العلم وجوب كفارة يمين مباشرة دون حاجة إلى تخمين نوع الطاعة المقصودة؛ لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" [رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب].
3. نذر المعصية: هو أن ينذر فعل شيء محرّم، كنذر شرب مسكر أو قطيعة رحم أو الإضرار بمسلم. وحكمه: يحرم الوفاء به إجماعًا؛ فلا يجوز للناذر أن يفعل المعصية بحجة أنه نذرها، لعموم حديث: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ" السابق، وتلزمه كفارة يمين بدلًا من الوفاء؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" [رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني].
4. نذر اللجاج والغضب: صورته أن يُعلّق الشخص نذرًا على فعل لا يريد وقوعه أصلًا، بل يقصد به حمل نفسه على الامتناع من شيء أو حثها على تركه، كقوله وهو غاضب من صاحب له: "إن كلّمت فلانًا فلله عليّ حجة"، فهو هنا لا يرغب حقيقة في أداء حجة، وإنما يستخدم صيغة النذر أداة ضغط على نفسه. واختلف أهل العلم في حكم هذا النوع تحديدًا: فذهب جمهور الشافعية إلى أن صاحبه مخيّر بين الوفاء بما التزم أو إخراج كفارة يمين، وحملوا حديث "كفارة النذر كفارة يمين" على هذه الصورة بعينها، بينما حمله الإمام مالك وكثيرون على النذر المبهم، وحمله الإمام أحمد على نذر المعصية، كما نقل ذلك الإمام النووي مفصّلًا في شرحه لصحيح مسلم. ولتفاوت الأقوال في هذه الصورة تحديدًا، فالأحوط لمن وقع فيها سؤال عالم موثوق عن حالته بدقة.
5. النذر الذي لا يُطاق (غير المقدور عليه): هو أن ينذر ما يعجز عنه أصلًا حين النذر أو يشق عليه مشقة غير محتملة، كمن ينذر عملًا بدنيًا شاقًا فوق طاقته. وحكمه: سقوط الوفاء بعينه ووجوب كفارة يمين بدلًا منه؛ ومن أوضح أدلته أن عقبة بن عامر رضي الله عنه سأل النبي ﷺ عن أخت له نذرت أن تحج ماشية حافية كاشفة عن رأسها، فقال ﷺ: "مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ" [رواه أبو داود]. ففي هذا الحديث خفّف النبي ﷺ عنها شقّ النذر (المشي حافية دون غطاء رأس) وأبقى صيام ثلاثة أيام، وهو إحدى صور كفارة اليمين عند العجز عن غيرها من الإطعام أو الكسوة.
مقدار كفارة النذر وصورها الأربع
بيّن النبي ﷺ أن كفارة النذر هي بعينها كفارة اليمين، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" [رواه مسلم]؛ وذلك لأن النذر عقدٌ مع الله بالتزام شيء، كما أن اليمين عقدٌ بالله على الالتزام بشيء. وقد بيّن الله سبحانه كفارة اليمين تفصيلًا في قوله تعالى:
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 89].
ومن هذه الآية تُستخرج صور الكفارة الأربع؛ على الناذر أن يختار واحدة من الثلاث الأولى بحسب استطاعته، فإن عجز عنها جميعًا انتقل إلى الرابعة:
1. إطعام عشرة مساكين: من أوسط ما يُطعم الناذر أهله، لا من أرخصه ولا من أفخره، ويتحقق ذلك بطريقتين متكافئتين عند أهل العلم: إما بإعطاء كل مسكين وجبتين تُشبعانه (غداء وعشاء)، أو بمنحه ما يقارب كيلو ونصف من الأرز أو التمر أو القمح أو غالب طعام أهل بلده، كما جاء في فتاوى معاصرة معتمدة.
2. كسوة عشرة مساكين: ثوب واحد لكل مسكين يكفيه للصلاة به، كقميص للرجل أو ما يستر المرأة، ولا يشترط أن يكون جديدًا فاخرًا، بل ما يصلح للُّبس عرفًا.
3. تحرير رقبة (عتق عبد مؤمن): وهذا الخيار الثالث لم يعد له مجال تطبيقي في زماننا لانعدام الرق، فيبقى الاختيار الفعلي اليوم محصورًا بين الإطعام والكسوة.
4. صيام ثلاثة أيام: ولا يُصار إليه إلا عند العجز الحقيقي عن الخيارات الثلاثة السابقة جميعًا، أي حين لا يملك الناذر ما يكفي لإطعام أو كسوة عشرة مساكين. ولا يشترط التتابع في هذه الأيام الثلاثة عند جمهور أهل العلم؛ لأن الآية أطلقت "صيام ثلاثة أيام" دون قيد التتابع، خلافًا لبعض الكفارات الأخرى التي ورد فيها التتابع صراحة كالظهار.
حالات خاصة في كفارة النذر
إخراج الكفارة قبل وقوع العجز أو الحنث: أجاز جمهور الفقهاء إخراج كفارة اليمين، وبالقياس عليها كفارة النذر، قبل الحنث بها في بعض الصور؛ فمن تيقّن منذ البداية عجزه التام عن الوفاء بما نذره، فله أن يبادر بإخراج الكفارة دون انتظار.
تكرار النذر بصيغة واحدة: من نذر أكثر من مرة نذرًا واحدًا بلفظ متكرر قبل أن يكفّر عن الأول أو يفي به، أجزأته كفارة واحدة عند جمهور العلماء، أما إن تعددت النذور بموضوعات مختلفة فلكل نذر حكمه المستقل وكفارته الخاصة به إن استحقها.
من مات وعليه نذر لم يوفِ به: يُستحب لأقرب أوليائه أن يقضيه عنه، خصوصًا إن كان صيامًا؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" [متفق عليه]. وقاس جمهور العلماء على الصيام سائر أنواع النذر من حج أو صدقة أو اعتكاف، فتُقضى من تركته إن أمكن ذلك.
النذر لغير الله: كالنذر لأصحاب القبور أو الأضرحة أو الجن طلبًا لقضاء حاجة، فهذا نوع مختلف تمامًا عمّا سبق ولا يدخل في باب كفارة النذر أصلًا؛ لأنه صرف عبادة (وهي النذر) لغير الله، وهو من الشرك الأكبر. والواجب على من وقع في هذا التوبةُ الصادقة والاستغفار، وعدم الوفاء بذلك النذر مطلقًا لأنه معصية عظيمة لا نذر تبرر يُثاب عليه، ولا تنفع فيه كفارة يمين بديلاً عن التوبة.
تنبيهات مهمة قبل إخراج كفارة النذر
- النية وحدها لا تُلزم: من عزم في نفسه على فعل خير دون أن يتلفظ بصيغة الالتزام كـ"لله عليّ" أو "نذرت لله"، فليس ذلك نذرًا شرعًا عند جمهور الفقهاء، ولا كفارة عليه إن لم يفِ بما عزم؛ لأن انعقاد النذر يحتاج صيغة لفظية.
- لا تخلط بين كفارة النذر والفدية: فالفدية تخص عبادات محددة كصيام كبير السن العاجز أو محظورات الإحرام في الحج، ولها أحكام مستقلة عن كفارة اليمين والنذر.
- استشر عالمًا موثوقًا في حالتك الخاصة: خصوصًا في نذر اللجاج، أو حين تلتبس عليك صيغة نذرك، أو حين تجتمع عليك أكثر من كفارة في وقت واحد؛ فهذا المقال دليل عام لا يقوم مقام سؤال أهل العلم في نازلتك الشخصية.
جدول سريع: نوع النذر وحكمه
يمكن الرجوع إلى هذا الجدول مباشرة لمعرفة حكم حالتك من النظرة الأولى:
| نوع النذر | الحكم |
|---|---|
| نذر طاعة، والناذر قادر على الوفاء به | وجوب الوفاء به فورًا، ولا تجزئ عنه الكفارة |
| نذر طاعة، لكن الناذر عاجز عجزًا دائمًا لا يُرجى زواله | كفارة يمين بدلًا من الوفاء |
| نذر مبهم لم يُحدَّد فيه نوع الطاعة | كفارة يمين مباشرة |
| نذر معصية (كشرب مسكر أو قطيعة رحم) | يحرم الوفاء به، وتجب كفارة يمين |
| نذر لجاج وغضب (كالحلف بنذر لمنع النفس من فعل) | التخيير بين الوفاء والكفارة عند جمهور الشافعية |
| نذر لا يُطاق أصلًا منذ حين النذر | كفارة يمين مباشرة |
| نذر لغير الله (كالنذر لصاحب قبر أو ضريح) | يحرم الوفاء به، والواجب التوبة لا الكفارة |
أسئلة شائعة عن كفارة النذر
ما الفرق بين كفارة النذر وكفارة اليمين؟
لا فرق بينهما في المقدار ولا في الصور؛ فكلاهما إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام، لحديث "كفارة النذر كفارة اليمين" [رواه مسلم]. والفرق بينهما في سبب الوجوب فقط: فكفارة اليمين تجب بالحلف بالله ثم الحنث، وكفارة النذر تجب في الحالات الأربع التي فُصّلت أعلاه.
هل تجزئ الكفارة عن النذر مع القدرة على الوفاء به؟
لا؛ فمن نذر نذر طاعة معلومًا وكان قادرًا على الوفاء به على الصفة التي نذرها، لا تكفي عنه الكفارة، ويبقى النذر في ذمته حتى يؤديه. ولو أخرج كفارة يمين مع قدرته على الوفاء فإنها لا تُسقط عنه الالتزام الأصلي عند جمهور أهل العلم.
كم مقدار كفارة النذر بالطعام؟
عشرة مساكين، لكل واحد منهم وجبتان تُشبعانه (غداء وعشاء)، أو ما يعادل كيلو ونصف تقريبًا من الأرز أو التمر أو القمح أو غالب طعام أهل البلد. وهذا مقدار تقريبي متعارف عليه في الفتاوى المعاصرة، ويحسن سؤال جهة إفتاء موثوقة عن حسابه الدقيق بعملة بلدك إن أردت إخراجها موزعة بنفسك.
هل يجوز إخراج كفارة النذر نقدًا بدلاً من الإطعام؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة؛ فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم إجزاء إخراج القيمة نقدًا، لأن الواجب المنصوص عليه هو الإطعام أو الكسوة بعينهما لا قيمتهما. وذهب الحنفية، ووافقهم على ذلك بعض المتأخرين كابن تيمية، إلى جواز إخراج القيمة نقدًا إن كان ذلك أنفع للفقير أو أقدر على تنظيم توزيعه. ومن أخرجها عن طريق جمعية خيرية موثوقة، فعليه إخبارهم أن هذا المبلغ كفارة يمين أو نذر تحديدًا، ليحرصوا على توزيعه على عشرة مساكين بأعيانهم لا أقل ولا أكثر.
هل يجب أن يكون صيام كفارة النذر متتابعًا؟
لا يشترط ذلك؛ فالأصل جواز تفريق الأيام الثلاثة كما يجوز صيامها متتابعة، لأن الله تعالى أطلق صيام كفارة اليمين في قوله: "فصيام ثلاثة أيام" دون أن يقيده بالتتابع.
نذرت نذرًا لكني نسيت ماذا نذرت بالضبط، فماذا أفعل؟
هذه صورة عملية قريبة من النذر المبهم؛ فالأحوط والأيسر أن تُخرج كفارة يمين، لأنها تُجزئ عن أي نوع من أنواع النذر عند من يرى التخيير فيها، وهذا أبرأ للذمة من محاولة تذكر نذر قد لا تصل فيه إلى يقين.
هل يأثم من نذر ثم عجز عن الوفاء بنذره؟
لا إثم عليه إذا كان عجزه حقيقيًا لا تفريطًا منه، لقول الله تعالى: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج: 78]؛ فالشريعة رفعت الحرج عمّن عجز عجزًا خارجًا عن إرادته، وأوجبت عليه كفارة اليمين بدلًا من الوفاء بعينه، لا أثرًا ولا عقوبة تُذكر.
كفارة النذر - كما تبين - ليست حكمًا واحدًا يُطبَّق على كل من نذر، بل تفصيل دقيق يراعي نوع النذر وقدرة الناذر وظرفه؛ فالشريعة في هذا الباب جمعت بين إلزام المرء بما التزمه لنفسه أمام الله، وبين التيسير عليه إذا أعجزته الحياة عن الوفاء. فإن كنت ممن نذر ثم تحيّر في حكمه، فابدأ بتحديد نوع نذرك من الأنواع الخمسة أعلاه، ثم اعمل بحكمه، ولا تتردد في سؤال أهل العلم في حالتك التفصيلية إن التبس عليك الأمر، فذلك من كمال الدين لا نقصًا فيه.