"كيفية صلاة الجنازة" سؤال يقف عنده كثير من المسلمين فجأة، حين يُنعى إليهم قريب أو صديق فلا يُحسنون هيئة هذه الصلاة التي تخلو من الركوع والسجود، فتختلط عليهم تكبيراتها بتكبيرات صلاة العيد، أو يظنون أن لها دعاءً واحدًا لا غير. وتنتشر على مواقع التواصل مقاطع تختصر الصفة اختصارًا مخلًّا، أو تخلط بين قول مذهبٍ وآخر دون تنبيه القارئ. في هذا الدليل تجد صفة صلاة الجنازة كاملة كما ثبتت عن النبي ﷺ: عدد التكبيرات الأربع وما يُقال بعد كل واحدة منها بالتفصيل، والدعاء الصحيح للميت رجلًا كان أو امرأة أو طفلًا، وموضع وقوف الإمام، وحكم الصلاة على الغائب، وما لا تصح الصلاة عليه، موثقًا بمصدر كل حديث ودرجته عند أهل العلم؛ لتؤديها بيقين واطمئنان في أحرج المواقف وأشدها حاجة إلى الحضور والتركيز.
تعريف صلاة الجنازة وحكمها الشرعي
صلاة الجنازة هي الصلاة التي يؤديها المسلمون على أخيهم المسلم بعد موته وقبل دفنه، طلبًا للمغفرة والرحمة له، وشفاعةً له عند الله عز وجل. وسُمّيت "صلاة" مع خلوها من الركوع والسجود؛ لاشتمالها على تكبير ودعاء وتسليم كسائر الصلوات، وإن اختلفت هيئتها عن الصلوات المفروضة الخمس اختلافًا بيّنًا لا تخفى ملامحه على من يشهدها لأول مرة.
وحكمها في الفقه الإسلامي أنها فرض كفاية بإجماع العلماء؛ فإن قام بها من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين، وإن تركها أهل بلدٍ كلهم أثِموا جميعًا، ويُستحب للجميع الحضور والمشاركة فيها لعِظَم أجرها كما سيأتي. ومن أدلة كونها فرض كفاية لا فرض عين ما ثبت من أن النبي ﷺ لم يكن يتقدم بنفسه للصلاة على كل ميت، بل كان يكتفي أحيانًا بأمر أصحابه بذلك، كما في قصة الرجل الذي مات وعليه دَين لم يترك ما يفي به، فامتنع النبي ﷺ عن الصلاة عليه بنفسه وقال لأصحابه: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، حتى ضمن أبو قتادة رضي الله عنه دَينه فصلى عليه النبي ﷺ [رواه البخاري]. فلو كانت هذه الصلاة فرض عين على كل أحد لَما وسِع النبيَّ ﷺ التخلف عنها بنفسه.
فضل الصلاة على الجنازة واتباعها
رغّب النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة واتباعها حتى تُدفن ترغيبًا عظيمًا؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ" [متفق عليه]. فمن حضر الصلاة فقط له أجر عظيم، ومن أتم معها المتابعة إلى الدفن تضاعف أجره.
كما بيّن النبي ﷺ أن كثرة المصلين على الميت سبب لشفاعتهم فيه، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ" [رواه مسلم]، وفي حديث آخر ذكر النبي ﷺ أن أربعين رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إذا صلوا على الميت شفعهم الله فيه [رواه مسلم]. ولذلك يُستحب لكل قادر أن يحرص على حضور صلاة الجنازة كلما أمكنه ذلك، لا سيما لأقارب الميت وجيرانه ومعارفه.
شروط صحة صلاة الجنازة وأركانها
يُشترط لصحة صلاة الجنازة ما يُشترط لسائر الصلوات المكتوبة، وهي:
- الطهارة: فلا بد من الوضوء أو الغسل إن وجب، ولا تصح الصلاة بلا طهارة كسائر الصلوات.
- ستر العورة: كما في الصلوات المفروضة.
- استقبال القبلة: يقف المصلون والإمام مستقبلين القبلة، والميت أمامهم موضوعًا بحيث تكون قِبلته كقِبلتهم.
- النية: ينوي المصلي أداء صلاة الجنازة على هذا الميت بعينه أو على من صلى عليه الإمام إن جهل حاله.
- طهارة الميت: بأن يكون قد غُسِّل أو يُمِّم إن تعذر غسله، فلا تصح الصلاة على ميت لم يُطهَّر بعد.
وتفارق صلاة الجنازة سائر الصلوات في أمور، أبرزها: أنه لا أذان لها ولا إقامة، ولا ركوع فيها ولا سجود ولا جلوس للتشهد، وإنما هي قيام وتكبير ودعاء وتسليم فحسب، ويكون القيام فيها ركنًا لا تصح الصلاة بدونه مع القدرة عليه، ومن أركانها أيضًا: التكبيرات الأربع، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي ﷺ، والدعاء للميت، والتسليم، وسيأتي تفصيل كل ركن منها في الخطوات التالية.
كيفية أداء صلاة الجنازة خطوة بخطوة
تُؤدى صلاة الجنازة بأربع تكبيرات، يُقال بعد كل واحدة منها ذكر مخصوص، وفيما يلي صفتها كاملة كما ثبتت عن النبي ﷺ:
1. تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة: يبدأ المصلي بتكبيرة الإحرام رافعًا يديه، ناويًا الصلاة على هذا الميت، ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويُسمّي، ثم يقرأ سورة الفاتحة سرًّا، دون دعاء استفتاح عند جمهور الفقهاء؛ لأن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف. ودليل قراءة الفاتحة فيها حديث طلحة بن عبد الله بن عوف رضي الله عنه، قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ" [رواه البخاري]. ويجوز أن يُضيف بعدها سورة قصيرة أو ما تيسر من الآيات، لكن الفاتحة وحدها كافية ومجزئة.
2. التكبيرة الثانية والصلاة الإبراهيمية: يُكبّر المصلي الثانية، ثم يُصلي على النبي ﷺ بالصيغة الإبراهيمية المعروفة نفسها التي تُقال في التشهد: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". ولا يُكتفى بالصلاة الإبراهيمية وحدها عن الدعاء اللاحق، بل هي مقدمة له.
3. التكبيرة الثالثة والدعاء للميت: وهذه أعظم تكبيرات الصلاة وأكثرها تأثيرًا؛ إذ أمر النبي ﷺ بإخلاص الدعاء فيها للميت، فعنه ﷺ أنه قال: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ" [رواه أبو داود وصححه الألباني]. ويدعو المصلي بما ثبت من الأدعية المأثورة، وأشهرها وأجمعها الدعاء الذي رواه عوف بن مالك رضي الله عنه، وسيأتي نصه كاملًا في الفقرة التالية. ويجتهد المصلي في هذا الموضع بالدعاء، فهو أرجى مواطن الإجابة في هذه الصلاة.
4. التكبيرة الرابعة والتسليم: يُكبّر الرابعة، ثم يسكت سكتة يسيرة دون قراءة واجبة فيها، وإن دعا فيها بخير للميت ولنفسه فحسن، ثم يُسلّم تسليمة واحدة عن يمينه قائلًا: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، وهذا هو الأشهر والأثبت عن النبي ﷺ، وإن سلّم تسليمتين كما في بعض الصلوات المفروضة فلا حرج، فقد ورد الأمران. وتكون الصلاة كلها سرًّا من المأموم، أما الإمام فيجهر بالتكبير والتسليم ليسمعه من خلفه، ويقرأ ويدعو سرًّا كغيره.
ويرفع المصلي يديه عند التكبيرة الأولى باتفاق العلماء تقريبًا، واختلفوا فيما بعدها؛ فذهب الشافعية والحنابلة في رواية إلى استحباب رفع اليدين مع كل تكبيرة من التكبيرات الأربع قياسًا على تكبيرة الإحرام، بينما اقتصر الحنفية والمالكية على الرفع في التكبيرة الأولى فقط، وكلا الأمرين واسع ولا حرج في العمل بأيهما.
عدد تكبيرات صلاة الجنازة: الأربع وما ورد من زيادة عليها
الأشهر والأكثر ثبوتًا عن النبي ﷺ أن صلاة الجنازة أربع تكبيرات، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة نعي النجاشي، قال: "نَعَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ" [متفق عليه]. وعلى هذا العدد استقر عمل جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو الذي عليه الفتوى في أغلب بلاد المسلمين اليوم.
لكن أمانةً علمية، فقد ثبت في أحاديث أخرى أن بعض الصحابة كبّر على بعض الجنائز خمسًا، كابن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم، كما رُوي أن عليًّا رضي الله عنه كبّر على أبي قتادة سبعًا، وأن ابن الزبير رضي الله عنه كبّر على جنازة حمزة تسعًا. وقد جمع أهل العلم بين هذه الروايات بأن الأمر في عدد التكبيرات فيه سعة، وأن الأربع هي أكثرها ثبوتًا وأشهرها عملًا، وأن من كبّر خمسًا أو أكثر فقد أصاب سنة أخرى ثبتت أيضًا، وإن كان الاقتصار على الأربع هو الأولى والأحوط لمن يصلي منفردًا؛ لكثرة الأدلة عليها. أما المأموم خلف الإمام فيتابعه في عدد تكبيراته أيًّا كان، ولا يفارقه لمجرد الاختلاف في هذه المسألة.
الدعاء المأثور للميت في صلاة الجنازة
وردت عن النبي ﷺ عدة صيغ للدعاء للميت بعد التكبيرة الثالثة، ويكفي المصلي أن يقول أيسرها، والأفضل الجمع بينها كلما استطاع:
الدعاء الجامع المشهور: عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظتُ من دعائه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ" [رواه مسلم].
دعاء آخر مأثور: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا صلى على جنازة يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ" [رواه أبو داود وصححه الألباني]، وهذا الدعاء يصلح للرجل والمرأة والجماعة دون تغيير؛ لعمومه.
الدعاء إن كانت الميتة امرأة: يُصرّف الدعاء الأول بصيغة التأنيث، فيقال: "اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعف عنها، وأكرم نُزُلها، ووسّع مُدخَلها..." وهكذا في بقية الدعاء، وإن كان الميت زوجًا يُقال: "وأبدلها زوجًا خيرًا من زوجها" بدل "وزوجًا خيرًا من زوجه".
الدعاء إن كانوا جماعة: يُصرَّف الدعاء بصيغة الجمع، فيقال: "اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم..."، وهكذا.
الدعاء للطفل الصغير: إن كان الميت طفلًا لم يبلغ الحُلُم، فلا يُدعى له بالمغفرة على أنه أذنب، وإنما يُدعى لوالديه بأن يكون سببًا لرفعتهما وأجرهما، فعن النبي ﷺ في هذا المعنى: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا" [رواه البيهقي وحسّنه الألباني]، ومن الدعاء المستحب أيضًا فيه: "اللهم اجعله ذخرًا لوالديه، وشفيعًا مُجابًا، اللهم ثقّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين".
موضع وقوف الإمام من الجنازة: عند الرأس أم الوسط؟
السنة الثابتة عن النبي ﷺ أن يقف الإمام أو المنفرد عند رأس الميت إن كان رجلًا، وعند وسط الميتة إن كانت امرأة. فأما الوقوف عند رأس الرجل، فلحديث أبي غالب الحناط رحمه الله قال: شهدتُ أنس بن مالك رضي الله عنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه، فلما رُفعت أُتي بجنازة امرأة فصلى عليها فقام عند وسطها، فقيل له: يا أبا حمزة، أهكذا كان النبي ﷺ يقوم من الرجل والمرأة؟ قال: نعم [رواه أبو داود والترمذي وحسّنه]. وأما الوقوف عند وسط المرأة تحديدًا فلحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا" [متفق عليه].
وهذا الموضع - رأس الرجل ووسط المرأة - هو الذي رجّحه أكثر أهل العلم لثبوت الحديث الصحيح المرفوع فيه، وإن كان لبعض الفقهاء اجتهادات أخرى في تحديد الموضع بناءً على القياس لا على نص مباشر، فقد ذهب بعض الحنفية إلى الوقوف عند صدر الرجل ووسط المرأة، وذهب بعض المالكية إلى الوقوف عند وسط الرجل ومنكب المرأة، لكن هذه الأقوال - كما نصّ غير واحد من المحققين - لا يُعارَض بها الحديثُ الصحيح الوارد في المسألة.
عدد الصفوف المستحبة خلف الإمام
يُستحب أن يصطف المصلون خلف الإمام في صفوف وترية - ثلاثة أو خمسة أو سبعة - لما ورد أن ذلك من أسباب مغفرة الله للميت، ولو لم يكتمل الصف الأخير أمكن تسويته بتفريق من فيه على الصفوف السابقة ليصير العدد وترًا. وإن كان المصلون قلة، فالسنة أن يُجعلوا صفوفًا متعددة ولو صفين أو ثلاثة أفضل من صف واحد، اقتداءً بهديه ﷺ في تكثير الصفوف على الجنازة رغم قلة الحاضرين أحيانًا.
أين تُؤدى صلاة الجنازة؟ المسجد أم المصلى
يجوز أداء صلاة الجنازة في المسجد، وهذا ما دلت عليه السنة الصحيحة؛ فعن عائشة رضي الله عنها: "مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ" [رواه مسلم]. وهذا قول جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة، بينما كرِه الحنفية والمالكية أداءها داخل المسجد بلا حاجة، وإن كانت صحيحة عندهم أيضًا لو وقعت فيه.
ومع ذلك، فالأفضل والأشيع في عمل المسلمين أن تُخصَّص لها مصلى أو ساحة قريبة من المسجد أو المقبرة؛ تيسيرًا على الناس، وتفاديًا لما قد يصحبها أحيانًا من دخول غير المتوضئين أو ازدحام لا يليق بحرمة المسجد، وقد صلى النبي ﷺ على النجاشي في المصلى كما سبق في حديث نعيه.
الأوقات التي يُكره فيها الصلاة على الجنازة
ورد النهي عن تحري الصلاة - ومنها صلاة الجنازة - ودفن الموتى في ثلاثة أوقات، فعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ" [رواه مسلم].
واختلف العلماء في مدى شمول هذا النهي لصلاة الجنازة نفسها؛ فذهب جمهور الفقهاء - ومنهم الحنابلة - إلى كراهة ابتداء الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات الثلاثة إلا لضرورة كخشية تغيّر الميت أو ضيق الوقت، بينما رأى الإمام النووي رحمه الله أن المقصود بـ"القَبْر" في الحديث تعمّد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات لا الصلاةَ ذاتها، وأن صلاة الجنازة لا تُكره في هذا الوقت بإجماع من قبله؛ لأنها ذات سبب، فتُشبه في ذلك تحية المسجد وسجود التلاوة. وعلى كل حال، فالأحوط لمن أمكنه التأخير القليل أن يتحرى غير هذه الأوقات، ومن اضطُر للصلاة فيها فلا حرج عليه.
صلاة الجنازة على الغائب: صفتها وشروطها
صلاة الغائب هي الصلاة على ميت مسلم مات في بلد آخر ولم يُصلَّ عليه فيه، وأصلها الثابت حديث نعي النجاشي السابق ذكره؛ إذ صلى النبي ﷺ عليه وهو في الحبشة والنبي ﷺ في المدينة، ولم يكن قد صُلّي عليه هناك. وتكون صفتها كصفة صلاة الجنازة العادية تمامًا من حيث التكبيرات والدعاء، إلا أنه لا جنازة حاضرة أمام المصلين.
واختلف الفقهاء في مشروعيتها؛ فذهب الشافعية والحنابلة إلى جوازها مطلقًا، بينما رأى الحنفية والمالكية أن صلاة النبي ﷺ على النجاشي كانت خاصية له ﷺ، فلا يُصلى على الغائب عندهم إلا إذا لم يُصلَّ عليه أحد في بلده. وقد رجّح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا القول الأخير، فقال ما معناه: إن الميت إن مات في بلد ولم يُصلَّ عليه فيه، صُلي عليه صلاة الغائب اقتداءً بفعل النبي ﷺ مع النجاشي، وإن كان قد صُلّي عليه في بلده فقد سقط الفرض بذلك، ولا حاجة لإعادته صلاة غائب.
صلاة الجنازة على الطفل والسقط
يُصلى على الطفل المسلم إذا مات ولو لم يبلغ الحُلُم، وكذلك يُصلى على السِّقط - وهو الجنين الذي يسقط من أمه قبل تمام مدة الحمل - إذا استهلّ صارخًا عند خروجه، أو ظهرت عليه علامات الحياة، أو تمّ له أربعة أشهر في بطن أمه فنُفخت فيه الروح على القول الراجح عند جمهور أهل العلم؛ إذ يُصلى عليه حينئذٍ كما يُصلى على الكبير، ويكون الدعاء فيه لوالديه كما سبق بيانه لا للطفل نفسه بالمغفرة، لأنه لم يبلغ سن التكليف الذي تُكتب فيه عليه الذنوب.
أما إن نزل الجنين ميتًا قبل نفخ الروح فيه ولم تظهر عليه أي علامة حياة، فلا تجب الصلاة عليه عند جمهور الفقهاء، وإن كان يُستحب عند بعضهم تغسيله ولفّه في خرقة ودفنه دون صلاة، وهذه مسألة تفصيلية يُستحسن فيها الرجوع إلى أهل العلم في كل حالة بعينها لاختلاف الحالات وتفاوت علامات الحياة.
من لا تصح أو لا تُشرع الصلاة عليه
هناك حالات استثناها الشرع من الصلاة عليها أو قيّدها بقيود، أبرزها:
- غير المسلم: فلا تجوز الصلاة على من مات على غير الإسلام مطلقًا، لقوله تعالى: وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: 84].
- شهيد المعركة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن شهيد المعركة الذي قُتل في القتال ضد الكفار لا يُغسَّل ولا يُصلى عليه، بل يُدفن بثيابه التي أصابها الدم، لما ثبت عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ في شأن قتلى أحد "أَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ" [رواه البخاري]، بخلاف الحنفية الذين أوجبوا الصلاة عليه.
- من مات وعليه دَين لا وفاء له: هذه الحالة لا تعني منع الصلاة عليه مطلقًا، وإنما امتنع النبي ﷺ أحيانًا من الصلاة عليه بنفسه زجرًا وتحذيرًا من التهاون في الدَّين كما سبق في أول المقال، أما عامة المسلمين فتصح صلاتهم عليه ولا حرج، بل هو من أحوج الناس إلى دعائهم.
- من قتل نفسه: اختلف العلماء هنا؛ فمنهم من رأى أن الإمام أو كبير القوم يمتنع عن الصلاة عليه زجرًا لغيره عن هذا الفعل، دون أن يمنع ذلك عامة المسلمين من الصلاة عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة؛ فأمره إلى الله، وقد ثبت أن النبي ﷺ حين امتنع عن الصلاة على رجل قتل نفسه قال لأصحابه: "صلوا على صاحبكم"، فدل ذلك على أن حكمها لا يسقط عن عموم المسلمين.
أخطاء شائعة عند صلاة الجنازة
يقع كثير من المصلين في أخطاء عند أداء هذه الصلاة، من أبرزها:
- ظن وجود ركوع أو سجود فيها: فيتوقف بعض من لم يعتد الصلاة على الجنازة منتظرًا ركوعًا لا يأتي، والصواب أنها قيام وتكبير فقط دون ركوع أو سجود أو جلوس.
- الكلام أثناء الصلاة: وهذا مبطل لها كسائر الصلوات، فبعض الحضور يظن أنها لخفتها لا تُبطلها المخالفات نفسها التي تُبطل باقي الصلوات، وهذا وهم.
- عدم استقبال القبلة أو الوقوف في غير محاذاة الجنازة: خاصة في الساحات المزدحمة، مما قد يُخلّ بصحة الصلاة عند بعض الفقهاء إن حالت السيارات أو الجدران دون الجنازة.
- الدخول مع الإمام بعد فوات بعض التكبيرات دون معرفة كيفية إتمامها: والصواب أن من أدرك الإمام في أي تكبيرة كبّر معه، فإذا سلّم الإمام أتمّ المسبوق ما فاته من التكبيرات متتابعة دون أن يقرأ فيها شيئًا سوى ما يخص كل تكبيرة، ثم سلّم.
- التهاون في حضورها أو الانصراف قبل انتهائها: رغم ما سبق من عظيم أجرها وأجر اتباعها حتى الدفن.
- رفع الصوت بالبكاء الشديد أو النياحة بجوار الجنازة: وهذا منهي عنه شرعًا وإن كان الحزن أمرًا مباحًا ومحمودًا في أصله.
جدول سريع: ملخص خطوات صلاة الجنازة
يمكن الرجوع إلى هذا الجدول مباشرة لمراجعة خطوات الصلاة دون العودة إلى كامل التفاصيل:
| الخطوة أو الموقف | ما يُفعل أو يُقال |
|---|---|
| التكبيرة الأولى | تكبيرة الإحرام مع رفع اليدين، ثم الاستعاذة والبسملة وقراءة الفاتحة سرًّا |
| التكبيرة الثانية | التكبير ثم الصلاة الإبراهيمية على النبي ﷺ |
| التكبيرة الثالثة | إخلاص الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة بالصيغة المناسبة لحاله |
| التكبيرة الرابعة | سكتة يسيرة، ثم التسليم تسليمة واحدة عن اليمين |
| الميت رجل | يقف الإمام أو المنفرد عند رأسه |
| الميتة امرأة | يقف الإمام أو المنفرد عند وسطها |
| الميت طفل لم يبلغ | يُدعى له بأن يكون فرطًا وذخرًا لوالديه، لا بالمغفرة له |
| عدد الصفوف المستحب | وترًا: ثلاثة أو خمسة أو سبعة |
| الميت غائب في بلد آخر | تُشرع صلاة الغائب إن لم يُصلَّ عليه في بلده |
أسئلة شائعة عن صلاة الجنازة
هل في صلاة الجنازة ركوع أو سجود؟
لا، لا ركوع في صلاة الجنازة ولا سجود ولا جلوس للتشهد، وإنما هي قيام فقط مع أربع تكبيرات يتخللها قراءة ودعاء، وهذا أبرز ما يميزها عن باقي الصلوات.
كم عدد التكبيرات الصحيح في صلاة الجنازة؟
الأشهر والأكثر ثبوتًا أربع تكبيرات، وهو الذي عليه عمل جمهور المسلمين اليوم، وثبت أيضًا في أحاديث أخرى أن بعض الصحابة زاد إلى خمس أو سبع أو تسع تكبيرات، فمن فعل ذلك فلا حرج عليه، والأربع أحوط وأشهر.
ما حكم من فاتته بعض تكبيرات صلاة الجنازة مع الإمام؟
من أدرك الإمام في أثناء الصلاة كبّر معه من حيث أدركه، فإذا سلّم الإمام كبّر المسبوق ما فاته من التكبيرات متتاليًا بدون أن يفصل بينها بدعاء زائد إن خشي رفع الجنازة، ثم سلّم بعدها.
هل يجوز أداء صلاة الجنازة بعد دفن الميت؟
نعم، يجوز ذلك عند الحاجة كمن لم يعلم بالوفاة إلا بعد الدفن، فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى على قبر امرأة كانت تقمّ المسجد بعدما عَلِم بموتها ودفنها ليلًا دون أن يُخبَر [متفق عليه]، فذهب إلى قبرها وصلى عليه.
هل تصح صلاة الجنازة لمن يصليها منفردًا دون جماعة؟
نعم تصح، والمنفرد يؤديها بنفس الصفة والتكبيرات، لكن السنة الحرص على الجماعة لما فيها من مضاعفة الأجر وكثرة الشفعاء للميت كما سبق بيانه.
هل يجوز للمرأة أن تصلي صلاة الجنازة؟
نعم، صلاة الجنازة مشروعة للنساء كالرجال سواء بسواء، سواء صلّت في المسجد أو في بيتها إن فاتتها، أما اتباع الجنازة إلى المقبرة فهو ما كُره للنساء خصوصًا لا أصل الصلاة عليها.
كم عدد التسليمات في صلاة الجنازة؟
الأشهر والأثبت تسليمة واحدة عن اليمين، وهو ما ثبت عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم، وأجاز بعض الفقهاء التسليمتين كما في الصلوات المفروضة، والأمر في هذا واسع.
صلاة الجنازة من أعظم حقوق المسلم على إخوانه بعد موته؛ فهي آخر ما يُقدَّم له من إحسان قبل أن يُوارى التراب، وفرصة للدعاء له في أحوج ما يكون إليه. فاحرص - رحمك الله - على تعلّم صفتها الصحيحة وحفظ دعائها المأثور، فقد تُدعى إليها في أي لحظة دون سابق استعداد، وكن ممن يشفع لأخيه المسلم بصدق ودعاء خالص، نسأل الله أن يرحم موتى المسلمين أجمعين، وأن يُحسن خاتمتنا وخاتمتهم.