حكم طلب الزوجة الخلع بدون سبب شرعي من المسائل التي يكثر السؤال عنها في المحاكم الشرعية ومراكز الفتوى، خصوصًا حين تصل العلاقة الزوجية إلى طريق مسدود دون وجود إساءة واضحة من الزوج تُبرر الانفصال. والخلع في أصله رخصة شرعية منحها الله للمرأة لتتخلص من زواج لا تطيق الاستمرار فيه، لكن هذه الرخصة قُيّدت بضوابط دقيقة، فليست مطلقة اليد لكل زوجة تريد الانفصال لأتفه الأسباب.
في هذا المقال نستعرض حكم طلب الخلع دون سبب شرعي معتبر بالأدلة من القرآن والسنة وأقوال الفقهاء، مع بيان حقوق الزوج كاملة في هذه الحالة، والفرق بين الخلع والطلاق، وموقف القضاء إذا رفض الزوج الاستجابة، وذلك كله موثّق بتخريج الأحاديث ودرجتها.
تعريف الخلع ودليله من القرآن والسنة النبوية
الخلع في اللغة مأخوذ من خَلْع الثوب أي نزعه، وسُمي بذلك لأن كل واحد من الزوجين لباس للآخر كما وصفهما القرآن الكريم، فإذا افترقا فكأن كل واحد منهما خلع لباسه. أما في اصطلاح الفقهاء فهو: فراق الزوج امرأته بعوض تبذله المرأة له، بألفاظ مخصوصة، وفائدته أن تتخلص المرأة من زوجها على وجه لا رجعة له.
ودليل الخلع من القرآن الكريم قوله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 229].
وقد ذكر المفسرون -كابن جرير الطبري رحمه الله- أن سبب نزول هذه الآية هو قصة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه وزوجته، وهي القصة نفسها التي وردت في صحيح البخاري، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً" [رواه البخاري]. وفي رواية لأبي داود والترمذي وحسّناها: أن النبي ﷺ جعل عدّتها حيضة واحدة. ويذكر الإمام أحمد في روايته عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن هذا كان أول خلع وقع في الإسلام.
واللافت في هذا الحديث أن المرأة لم تذكر عيبًا محددًا في زوجها، بل صرّحت بأنها لا تعيب عليه في خُلُقه ولا دينه، وإنما تخشى أن تُقصّر في حقه بسبب شدة نفورها منه، فأقرّها النبي ﷺ على ذلك ولم يُطالبها بإثبات سبب موضوعي دقيق. وهذه نقطة جوهرية سيتكرر الرجوع إليها في الفقرات التالية، لأنها تُحدد المقصود الشرعي بـ"السبب المعتبر" الذي يدور حوله عنوان هذا المقال.
متى يجوز للزوجة طلب الخلع؟ الأسباب الشرعية المعتبرة
اتفق الفقهاء على أن الخلع مشروع إذا خشيت الزوجة ألا تقيم حدود الله في حق زوجها بسبب كراهيتها الشديدة له، سواء كان مصدر هذه الكراهية عيبًا في خِلقته أو خُلُقه أو دينه أو كبر سنه أو ضعفه، أو أي سبب آخر تجد المرأة معه في نفسها نفورًا لا تطيق معه الاستمرار في العشرة الزوجية. وقد نص جمع من فقهاء الحجاز والشام -ومنهم الإمام ابن قدامة في كتابه "المغني"- على جواز الخلع متى شعرت الزوجة بنفور تجاه زوجها لسبب في مظهره أو طبعه أو تديّنه أو تقدّمه في السن أو ضعف بنيته، ما دامت تخشى التقصير في أداء حقوقه الزوجية نتيجة ذلك النفور.
ومن الأسباب التي يتفق العلماء على أنها تُبيح للزوجة طلب الخلع، بل قد تجعله مستحبًا أو واجبًا في بعض الصور:
- سوء عِشرة الزوج: كإساءته لها بالقول أو الفعل، أو تفريطه في حقوقها الشرعية كالنفقة الواجبة دون عذر.
- أن يأمرها بمعصية الله: ويُلزمها بطاعته فيها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
- أن يجاهر بالفسوق: كالزنا أو إدمان المسكرات أو ترك الصلاة مع سوء خلقه معها.
- كراهية شديدة صادقة: تخشى معها المرأة الوقوع في التقصير تجاه زوجها ولو لم تُحدد عيبًا بعينه، كما في قصة امرأة ثابت بن قيس المتقدمة.
فالشاهد من هذه القصة أن "السبب الشرعي" لا يُشترط فيه أن تُحدد الزوجة عيبًا موضوعيًا واضحًا في زوجها، بل يكفي أن يكون نفورها حقيقيًا وصادقًا يجعلها تخشى التفريط في حق الزوجية، لا مجرد رغبة عابرة أو غضب طارئ سرعان ما يزول، وهذا هو الخيط الفاصل بين الحالة المشروعة وما سيأتي بيانه في الفقرة التالية.
حكم طلب الزوجة الخلع بدون سبب شرعي
أما إذا خلا طلب الخلع من أي سبب معتبر مما سبق، بأن كانت العلاقة الزوجية مستقيمة، والزوج قائمًا بحقوقها، ولم يكن لدى الزوجة سوى رغبة عابرة، أو غضب سرعان ما يزول، أو ضغط من محيطها، أو رغبة في اختبار مدى تعلق زوجها بها، ففي هذه الحالة يكون طلبها للخلع محرّمًا وهي آثمة به، لثبوت الوعيد الشديد فيه.
فقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ثوبان رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ"، وهو حديث صححه الشيخ الألباني والشيخ شعيب الأرناؤوط. وقد فسّر العلماء "البأس" هنا بأنه الشدة أو الحاجة الملجئة إلى طلب الفراق، كسوء العشرة أو الكراهية التي لا تُطاق معها الحياة الزوجية أو الإضرار بها، أما مجرد الخلاف اليسير العابر أو سوء الفهم فلا يدخل في معنى "البأس" المبيح لطلب الفراق.
وجاء في بعض روايات هذا المعنى عند الترمذي زيادة: "وَإِنَّ الْمُخْتَلِعَاتِ وَالْمُنْتَزِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ"، إلا أن الترمذي نفسه علّق على إسناد هذه الزيادة بأنه "غريب وليس بالقوي"، وقد رُوي هذا المعنى أيضًا من طريق أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد وصفه أكثر أهل الحديث بالانقطاع، لأن الراوي عنه (الحسن البصري) لم يسمع منه؛ وإن كان الشيخ الألباني رحمه الله قد أورد هذا اللفظ في "صحيح الترغيب" مستندًا إلى مجموع طرقه. وأمانةً علمية، فإن "النفاق" الوارد في هذا اللفظ ليس النفاق الاعتقادي الذي يُخرج من الملة، وإنما هو ما يُعرف عند أهل العلم بـ"النفاق العملي"، أي مخالفة الظاهر للباطن في هذا التصرف بعينه، وهو ما يُسميه بعض الشراح "كفران العشير".
كما استدل العلماء بكلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري"، إذ ذكر أن الأخبار الواردة في التحذير من طلب المرأة الفراق "محمولة على ما إذا لم يكن بسبب يقتضي ذلك"، أي أن الوعيد إنما يتوجه لمن طلبت الفراق من غير موجب شرعي، فإذا وُجد الموجب زال عنها الإثم بالكلية. وقد نقل الإمام ابن هبيرة رحمه الله اتفاق الفقهاء على أن الخلع أو الطلاق حال استقامة الحياة الزوجية مكروه، إلا أن الإمام أبا حنيفة ذهب إلى أنه محرّم في هذه الحالة بعينها.
هل يقع الخلع ويصح رغم انتفاء السبب الشرعي؟
من المسائل التي كثيرًا ما تلتبس على الناس: هل إثم الزوجة بطلب الخلع بلا سبب يعني أن الخلع لا يقع أو يكون باطلاً؟ والجواب أن هذين أمران منفصلان تمامًا؛ فإثم الزوجة أمر بينها وبين الله عز وجل يتعلق بنيتها وتقصيرها في حق زوجها، أما وقوع الخلع نفسه وصحته فأمر آخر متعلق بتوفر أركانه وشروطه، وعلى رأسها رضا الزوج وموافقته، لأن الخلع في حقيقته عقد بين طرفين -كسائر العقود- يستلزم إيجابًا من الزوجة وقبولًا من الزوج بلفظ الخلع أو الطلاق، فمتى تمّ ذلك صحّ الخلع ووقعت الفرقة، ولو كانت الزوجة آثمة في طلبها له.
فالأصل إذن أن الخلع لا يقع بمجرد طلب الزوجة له أو ذهابها إلى المحكمة، بل لا بد من موافقة الزوج ولفظه بالخلع أو الطلاق، فإن رفض الزوج ولم يتلفظ بشيء بقيت الزوجية قائمة كما كانت، إلا في حالات استثنائية يتدخل فيها القضاء كما سيأتي تفصيله. وبناءً عليه، فإذا وافق الزوج وقع الخلع صحيحًا نافذًا رغم عدم وجود سبب شرعي معتبر، مع بقاء إثم الطلب عليها إن كانت متعمدة الإضرار به دون موجب.
هل الخلع طلاق أم فسخ؟ خلاف الفقهاء في تكييفه
اختلف الفقهاء قديمًا في تكييف الخلع: هل يُعدّ طلاقًا يُحسب من الطلقات الثلاث، أم فسخًا للعقد لا يدخل في عددها؟ وسبب الخلاف يعود إلى: هل اقتران العِوض بالفرقة يُخرجها من كونها طلاقًا إلى كونها فسخًا، أم يبقى حكمها حكم الطلاق رغم وجود العِوض؟
القول الأول: أن الخلع طلاق بائن يُحسب من عدد الطلقات، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والشافعية في المعتمد والحنابلة في إحدى الروايتين، ودليلهم أن النبي ﷺ أمر ثابت بن قيس بلفظ الطلاق صراحة حين قال له: "وطلقها تطليقة"، ولأن الفرقة التي يملكها الزوج أصلًا هي الطلاق دون الفسخ.
القول الثاني: أن الخلع فسخ لا طلاق، فلا يُحسب من الطلقات الثلاث، بشرط ألا يتلفظ الزوج بصريح الطلاق ولا ينويه، وهذا قول الشافعي في القديم، والرواية المشهورة عند الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومستندهم أن جماعة من الصحابة -كابن عباس وابن مسعود وعثمان بن عفان رضي الله عنهم- وصفوا الخلع بأنه تفريق وليس طلاقًا.
والثمرة العملية لهذا الخلاف تظهر في عدد الطلقات المتبقية للزوج إن أراد الزواج بها مجددًا: فعلى القول الأول يُحسب الخلع طلقة من الثلاث، وعلى القول الثاني لا يُحسب، ويبقى للزوج كامل عدد طلقاته. أما إذا صرّح الزوج بلفظ "الطلاق" أثناء الخلع (كأن يقول: طلقتك مقابل كذا) فإنه يقع طلاقًا باتفاق الفريقين تقريبًا، والخلاف إنما هو فيما لو اقتصر على لفظ "الخلع" أو "المخالعة" أو "الفداء" دون التصريح بالطلاق.
حقوق الزوج إذا طلبت زوجته الخلع بلا سبب
هذه هي المسألة المحورية التي يبحث عنها كثير من الأزواج، وتتلخص حقوق الزوج في هذه الحالة فيما يلي:
1. الحق في الرفض ابتداءً: بما أن الخلع عقد يستلزم رضا الطرفين، فللزوج أن يرفض طلب زوجته إن لم يجد لديها سببًا معتبرًا، ولا يُجبر على الموافقة إلا بحكم قضائي في حالات استثنائية.
2. الحق في المطالبة بالعِوض كاملاً بل وبالزيادة: إذا وافق الزوج على الخلع رغم انتفاء السبب الشرعي، فمن حقه أن يطالب زوجته برد كل ما أعطاها من مهر وهدايا، بل ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية) إلى جواز مطالبته بأكثر مما أعطاها إن تراضيا على ذلك، وإن عدّه بعض أهل العلم من قبيل المكروه لا المحرّم، خاصة أن السائلة له هي، لا هو، فلا حرج عليه في أخذ كامل حقه أو أكثر.
3. تقييد هذا الحق بانتفاء الضرر منه: هذا الحق في المطالبة بالعوض -كاملاً أو زائدًا- مشروط بألا يكون الزوج هو المتسبب في الضرر أو سوء العشرة؛ فإن كان هو المسيء أو المُقصّر في حقوقها، فقد نص جمهور الفقهاء على كراهة بل تحريم مطالبته إياها بأي عوض، عملاً بقوله تعالى: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ [النساء: 19]، فالحق في أخذ العوض كاملاً أو زائدًا إنما هو في حال كون التقصير من جهة الزوجة فقط دون إساءة من الزوج.
4. بينونة الفرقة وعدم الرجعة: سواء اعتُبر الخلع طلاقًا بائنًا أو فسخًا، فإن الزوج لا يملك مراجعة زوجته أثناء عدتها بغير رضاها، بخلاف الطلاق الرجعي العادي، فإن أراد إعادتها فلا بد من عقد ومهر جديدين برضاها التام.
5. عدة أخف نسبيًا: ثبت في حديث امرأة ثابت بن قيس عند أبي داود والترمذي وحسّناه أن النبي ﷺ جعل عدتها حيضة واحدة بدلًا من العدة المعتادة، وهو ما أخذ به جمع من الفقهاء، وذهب آخرون إلى أن عدة المختلعة كعدة المطلقة العادية (ثلاثة قروء) ما لم يثبت الاستثناء بنص خاص، وهذه من مسائل الخلاف الفقهي المعروفة.
إذا رفض الزوج الخلع.. فما موقف القضاء؟
الأصل أن الخلع لا يقع بغير موافقة الزوج، لكن هذا الأصل قد يُستثنى منه إذا استحكم الشقاق بين الزوجين وتعذر الإصلاح، وتضررت الزوجة من البقاء في عصمته دون سبيل آخر للانفصال. ففي مثل هذه الحالة أمر الله تعالى ببعث حكمين للإصلاح، فقال سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: 35]، فإن تعذر الإصلاح وثبت للحكمين أو للقاضي أن التقصير من جهة الزوجة، جاز لهما التفريق بينهما خلعًا مقابل ردها لمهرها، وهذا هو المشهور عند المالكية، وأخذ به بعض الحنابلة، واعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية مستندًا إلى قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
أما الحنفية فمذهبهم أضيق في هذا الباب، إذ لا يُجيزون للقاضي إيقاع الخلع دون رضا الزوج الصريح، ولا يملك القضاء عندهم إجبار الزوج على الخلع لمجرد بذل الزوجة للعوض. وعليه، فإن إمكانية إجبار الزوج على الخلع قضائيًا تختلف باختلاف المذهب المتّبع وباختلاف الأنظمة القضائية المعمول بها في كل بلد، والأولى دائمًا محاولة الصلح عبر الحكمين قبل اللجوء إلى المحكمة.
جدول سريع: الفرق بين الخلع بسبب والخلع بلا سبب
هذا الجدول يلخص أبرز الفروق العملية بين الحالتين:
| الجانب | الخلع بسبب شرعي معتبر | الخلع بدون سبب شرعي |
|---|---|---|
| الحكم على الزوجة | لا إثم عليها، بل قد يكون مستحبًا أو واجبًا في بعض الصور | آثمة لثبوت الوعيد الشديد في طلبه |
| صحة وقوعه | يقع ويصح إذا وافق الزوج | يقع ويصح أيضًا إذا وافق الزوج، رغم إثمها |
| حق الزوج في العِوض | يُستحب له عدم المطالبة بشيء أو الاكتفاء بجزء يسير | يجوز له أخذ كل ما أعطاها، بل والزيادة عليه عند الجمهور |
| موقف القضاء عند رفض الزوج | قد يُجبره القاضي على الخلع عند ثبوت الضرر مع رد المهر | لا يُجبر القاضي الزوج غالبًا لعدم ثبوت ضرر موجب لذلك |
| تكييفه الفقهي (فسخ أم طلاق) | خلاف بين طلاق بائن وفسخ، كما في الحالة الأخرى | خلاف بين طلاق بائن وفسخ، كما في الحالة الأخرى |
تنبيهات مهمة قبل التفكير في الخلع
قبل أن تُقدم الزوجة على طلب الخلع، ثمة أمور تستحق التنبيه:
أولاً، يخلط كثير من الناس بين الخلع والطلاق العادي، والفارق الجوهري بينهما أن الخلع لا يقع إلا بعوض مالي تبذله الزوجة، بخلاف الطلاق الذي يوقعه الزوج بإرادته المنفردة دون اشتراط عوض.
ثانيًا، وصف الحديث لمن تطلب الخلع بلا سبب بأنه من "النفاق العملي" -كما سبق بيانه- إنما هو وصفٌ لهذا التصرف بعينه في تلك اللحظة، لا حكمٌ عام على شخص المرأة أو دينها، فلا يصح الاستدلال به للتنقيص من كل امرأة طلبت الانفصال عن زوجها، إذ قد يكون لديها من الأسباب المعتبرة ما لا يعلمه إلا الله والزوج نفسه.
ثالثًا، ينبغي للزوجين قبل اللجوء إلى الخلع استنفاد وسائل الإصلاح التي أرشد إليها القرآن الكريم، من الموعظة والهجر في المضجع، ثم التحكيم بين الأهل، فقد يكون الخلاف عابرًا يزول بالحوار والصبر، والإسلام يحث على حفظ الأسرة ما أمكن ذلك دون إضرار بأحد الطرفين.
رابعًا وأخيرًا، تختلف الإجراءات القضائية والمالية للخلع من بلد إلى آخر باختلاف قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها. والمقصود في هذا المقال بيان الحكم الشرعي العام المستمد من الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء، أما تفاصيل الحالة الخاصة وإجراءاتها القانونية فالأولى فيها الرجوع إلى مفتٍ موثوق أو محكمة شرعية مختصة في بلد كل زوجين.
أسئلة شائعة عن حكم الخلع بلا سبب وحقوق الزوج
ما الفرق الجوهري بين الخلع والطلاق؟
الفرق الجوهري أن الخلع فرقة بعوض مالي تبذله الزوجة مقابل تخليصها من الزواج، ولا يقع غالبًا إلا برضا الزوج، بينما الطلاق إيقاع يملكه الزوج وحده دون اشتراط عوض، وقد يكون رجعيًا يمكنه فيه مراجعة زوجته دون عقد جديد.
هل يحق للزوج رفض طلب زوجته الخلع؟
نعم، الأصل أن الخلع عقد يستلزم رضا الطرفين، فللزوج أن يرفض طلب زوجته إن لم يكن هناك سبب معتبر لديها، ولا يُجبر على الموافقة إلا في حالات استثنائية يثبت فيها الضرر أمام القضاء أو الحكمين.
هل يجوز للزوج أن يأخذ من زوجته أكثر مما أعطاها كمهر عند الخلع؟
ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية) إلى جواز ذلك إذا تراضيا عليه ولم يكن التقصير من جهته، وإن عدّه بعضهم من باب المكروه لا المحرّم، أما إن كان الزوج هو المسيء فالأولى بل الواجب عدم مطالبتها بشيء.
هل يُحسب الخلع من الطلقات الثلاث؟
هذه من مسائل الخلاف بين الفقهاء: فجمهورهم يرون أنه يُحسب طلقة بائنة من الثلاث، بينما يرى آخرون -منهم ابن تيمية وابن القيم- أنه فسخ لا يُحسب من عدد الطلقات ما لم يتلفظ الزوج صراحة بلفظ الطلاق.
كم مدة عدة المرأة التي حصل لها الخلع؟
ثبت في حديث امرأة ثابت بن قيس أن النبي ﷺ جعل عدتها حيضة واحدة، وبه أخذ بعض الفقهاء، بينما يرى آخرون أن عدتها كعدة المطلقة العادية (ثلاثة قروء) إلا أن يثبت الاستثناء، وهذه من مسائل الاجتهاد الفقهي.
هل يمكن للزوج مراجعة زوجته بعد الخلع دون عقد جديد؟
لا، فالخلع فرقة بائنة سواء عُدّ طلاقًا بائنًا أو فسخًا، ولا يملك الزوج مراجعتها في العدة بغير رضاها، فإن أراد إعادتها فلا بد من عقد ومهر جديدين وموافقتها التامة.
ماذا لو كانت الزوجة متضررة فعلاً لكنها لا تملك دليلاً واضحًا على ذلك؟
يُنصح في هذه الحالة باللجوء إلى الحكمين من أهل الزوجين قبل التوجه للقضاء، فقد يتوصلان إلى تفصيل الأمر بما لا تصل إليه المحكمة بالبينات الرسمية وحدها، كما يمكن عرض الأمر على مركز إصلاح أسري أو مفتٍ موثوق لتقييم الموقف بموضوعية.
الخلع في الإسلام ميزان دقيق بين حق المرأة في التخلص من زواج لا تطيقه، وحق الزوج في ألا تُستغل هذه الرخصة للإضرار به أو التلاعب بعصمته لأتفه الأسباب. فمتى وُجد السبب الشرعي المعتبر فالخلع رحمة ومخرج، ومتى انتفى كان تفريطًا تأثم به الزوجة وإن وقع الخلع صحيحًا نافذًا برضا الزوج. وقبل أن تخطو أي زوجة هذه الخطوة، أو يوافق عليها أي زوج، فالأَولى دائمًا استنفاد سبل الصلح والتروي، فما بُني على المودة والرحمة لا يُهدم لعارض يزول. نسأل الله أن يصلح ذات البين بين كل زوجين، وأن يرزق كل بيت الطمأنينة والسكينة.