التخطي إلى المحتوى الرئيسي
المدونة الإسلامية

ماذا يفعل من نسي التشهد الأول وتذكر بعد القيام في الصلاة

تم النشر في: 8 سبتمبر 2026 | بحوث إسلامية وفقهية موثقة

نسيان التشهد الأول والقيام إلى الركعة الثالثة من المواقف التي تتكرر مع كثير من المصلين، خصوصًا في صلاتَي الظهر والعشاء الطويلتين، فتنتابهم الحيرة: هل بطلت الصلاة بهذا النسيان؟ وهل يُشرع الرجوع للجلوس فورًا أم إكمال الصلاة والمُضي فيها؟ والجواب - بحمد الله - ليس معقدًا كما يُظن، فقد وقع هذا بعينه للنبي ﷺ في حياته، وعلّم أمته من بعده كيف تتعامل معه.

في هذا المقال نعرض حكم المسألة بالتفصيل مدعومًا بالدليل من الصحيحين، مع بيان الحالات الثلاث التي تُحدد بدقة ماذا تفعل في كل حالة، وموقف المذاهب الفقهية الأربعة منها، وحكم المأموم إذا نسي إمامه التشهد الأول أو نسيه هو بنفسه.

التشهد الأول: تعريفه وحكمه في المذاهب الأربعة

التشهد الأول (ويُسمى أيضًا التشهد الأوسط) هو الجلوس الذي يكون بعد تمام الركعة الثانية في كل صلاة تزيد على ركعتين، أي في الظهر والعصر والمغرب والعشاء دون الفجر والجمعة، ويقتصر المصلي فيه على قراءة التحيات دون الصلاة الإبراهيمية، ثم يقوم لإتمام بقية صلاته. وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الجلوس نفسه على النحو التالي:

  • الحنفية والحنابلة: التشهد الأول والجلوس له واجب من واجبات الصلاة، وليس ركنًا، فمن تركه عامدًا أثِم عندهم، ومن تركه ناسيًا وجب عليه سجود السهو جبرًا له.
  • الشافعية: التشهد الأول من "الأبعاض"، وهي طائفة من الأفعال المؤكدة بين الركن والسنة العادية، فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم تبطل صلاته، لكن يُشرع له سجود السهو جبرًا لها.
  • المالكية: التشهد الأول سنة من سنن الصلاة، فمن تركه سهوًا سجد للسهو قبل السلام جبرًا لهذه السنة.

ويُلاحظ أن هذا الخلاف في حكم الجلوس نفسه (هل هو واجب أم سنة مؤكدة؟) لا يغيّر كثيرًا من النتيجة العملية عند النسيان -وهو موضوع هذا المقال- فجمهور الفقهاء متفقون تقريبًا على أن من نسيه يُجبر نقصه بسجود السهو، كما سيأتي تفصيله.

نسيت التشهد الأول وتذكرت بعد القيام.. ماذا تفعل بالضبط؟

لا يوجد حكم واحد يشمل كل من نسي التشهد الأول، بل الأمر يتوقف بدقة على اللحظة التي تذكرت فيها. وقد فصّل الفقهاء المسألة في ثلاث حالات متتالية:

الحالة (متى تذكرت؟) ماذا تفعل؟
قبل أن تستتم قائمًا (أثناء الانتقال إلى القيام) ارجع فورًا واجلس وأتمّ التشهد، ثم أكمل صلاتك، ولا سجود سهو عليك
بعد الاستواء قائمًا تمامًا، وقبل الشروع في قراءة الفاتحة لا ترجع، أكمل صلاتك، واسجد سجدتي السهو قبل السلام
بعد الشروع الفعلي في قراءة الفاتحة يحرم عليك الرجوع، أكمل صلاتك، واسجد سجدتي السهو قبل السلام

الحالة الأولى: تذكرت قبل أن تستتم قائمًا (أي: قبل أن يعتدل ظهرك تمامًا في وضع القيام، وما زلت في مرحلة الانتقال): يجب عليك هنا الرجوع فورًا للجلوس وقول التشهد، ثم إكمال الصلاة، ولا يلزمك سجود سهو في أصح قولي أهل العلم؛ لأنك لم تتجاوز بعدُ محل التشهد فعليًّا، وإنما تداركته في وقته.

الحالة الثانية: تذكرت بعد أن استتممت قائمًا، ولم تشرع بعد في قراءة الفاتحة: الأفضل هنا عدم الرجوع، بل إكمال الصلاة؛ لأنك بالاستواء التام صرت متلبسًا بركن (القيام)، والرجوع منه إلى واجب أو سنة (التشهد) مكروه عند جمهور الفقهاء وليس محرَّمًا. فلو رجعت في هذه اللحظة بالذات -ناسيًا لحرمة ذلك أو جاهلًا به- فصلاتك صحيحة ولا تبطل؛ لأنك لم تفعل محرَّمًا، ويلزمك في كل الأحوال (رجعت أم أكملت) سجود السهو قبل السلام.

الحالة الثالثة: تذكرت بعد الشروع في قراءة الفاتحة: هنا يحرم عليك الرجوع إلى التشهد قطعًا، ويجب عليك المضي في الصلاة حتى تُتمّها، ثم تسجد للسهو قبل السلام. فإن رجعت في هذه الحالة وأنت عالم بالحكم متعمد بطلت صلاتك؛ لأنك تركت ركنًا (القيام والقراءة) عامدًا وانتقلت إلى غير محله، أما إن رجعت ناسيًا أو جاهلًا بالحكم فصلاتك صحيحة، ولا شيء عليك سوى سجود السهو.

وينطبق هذا التفصيل سواء كنت إمامًا أو تصلي منفردًا، أما المأموم فله حكم مختلف، سيأتي تفصيله لاحقًا في هذا المقال.

الدليل من السنة النبوية على هذا الحكم

يستند هذا التفصيل إلى حديثين نبويين صحيحين:

1. حديث عبد الله بن بُحينة رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ" [متفق عليه: رواه البخاري (829) ومسلم (570)].

ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ لم يرجع للجلوس رغم نسيانه التشهد الأول، بل أكمل صلاته وجبر النقص بسجدتي سهو قبل السلام، وعلى هذا الفعل النبوي بنى الفقهاء حكم من استتم قائمًا فلم يرجع.

2. حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ" [رواه أبو داود]. وهذا الحديث هو الأصل الصريح الذي استند إليه الفقهاء في جعل "الاستواء قائمًا" هو الضابط الفاصل بين حالة وجوب الرجوع وحالة عدم جوازه، وعليه بُنيت الحالات الثلاث السابقة.

سجود السهو: كيفيته، ومتى يكون محله؟ (قبل السلام أم بعده)

سجود السهو الذي يُجبر نقص التشهد الأول سجدتان، تُؤدَّيان بنفس صفة سجود الصلاة العادي: تكبيرة تهوي بها إلى السجود، ثم تقول فيه ما تقوله في سجود الصلاة (سبحان ربي الأعلى)، ثم ترفع بتكبيرة وتجلس جلسة خفيفة، ثم تكبر وتسجد السجدة الثانية، ثم ترفع بتكبيرة، ثم تُسلّم مباشرة دون إعادة التشهد عند جمهور الفقهاء (وقالت طائفة من العلماء يُستحب تشهد قصير قبل السلام).

أما محل هذا السجود (قبل السلام أو بعده)، فهذه المسألة تحديدًا من أوضح مسائل الخلاف الفقهي بين المذاهب الأربعة، وضابطها عمومًا أن سجود السهو الناتج عن "نقص" في الصلاة (كترك التشهد الأول) يكون قبل السلام عند الجمهور، بخلاف سجود السهو الناتج عن "زيادة" (كزيادة ركعة) فيكون بعد السلام. لكن الحنفية يخالفون هذا التفصيل جملة، كما يلي:

  • الحنفية: المستحب عندهم أن يكون سجود السهو كله بعد السلام، سواء كان سببه زيادة أو نقصانًا، فإذا سلّم من صلاته كبّر وسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلّم؛ وإن سجد قبل السلام أجزأه ذلك، لكنه خالف الأفضل عندهم.
  • المالكية: يُفرّقون بين النقص (كترك التشهد الأول) فيكون سجوده قبل السلام، والزيادة فيكون سجودها بعد السلام.
  • الشافعية: سجود السهو كله قبل السلام في كل الأحوال، سواء كان سببه زيادة أو نقصانًا.
  • الحنابلة: الأصل عندهم أن سجود السهو كله قبل السلام إلا في حالتين مستثناتين بالنص: إذا سلّم المصلي عن نقص ركعة فأكثر ناسيًا، أو إذا بنى على غالب ظنه في عدد الركعات دون اليقين، ففي هاتين الحالتين فقط يكون السجود بعد السلام.

وبما أن نسيان التشهد الأول "نقص" وليس "زيادة"، فسجوده يكون قبل السلام عند المالكية والشافعية والحنابلة، وبعد السلام عند الحنفية على القول المستحب عندهم (مع صحة السجود قبله أيضًا إن فعله المصلي الحنفي).

حكم المأموم إذا نسي الإمام التشهد الأول (أو نسيه هو بنفسه)

يختلف حكم المأموم عن حكم الإمام والمنفرد في هذه المسألة، وله صورتان:

الصورة الأولى: نسي الإمامُ التشهدَ الأول وقام، والمأموم يتابعه بشكل صحيح: في هذه الحالة لا شيء على المأموم؛ لأنه تابع لإمامه، ويتحمل الإمام عنه سهوه، فإن قام الإمام ولم يرجع، وجب على المأموم متابعته والقيام معه، ولا يلزمه هو نفسه سجود سهو، وإنما يسجد تبعًا لإمامه إن سجد الإمام في آخر الصلاة.

الصورة الثانية: قام المأمومُ ساهيًا عن التشهد قبل إمامه، بينما الإمام لا يزال جالسًا للتشهد: هذا خطأ من المأموم نفسه لا من الإمام، فليس عليه إثم لأنه ساهٍ، لكن يجب عليه أن يرجع ويجلس مع إمامه بمجرد أن يتذكر أو يُنبَّه وهو لا يزال قائمًا، ولا يلزمه سجود سهو في هذه الحالة لأنه رجع إلى متابعة إمامه.

وإذا لاحظ بعض المأمومين نسيان الإمام قبل أن يستتم قائمًا، فالمشروع في حقهم تنبيهه بقول "سبحان الله" (للرجال)، حتى يرجع إن كان لا يزال في وقت الرجوع.

أخطاء شائعة عند نسيان التشهد الأول

يقع بعض المصلين في أخطاء عند التعامل مع هذا الموقف، من أبرزها:

  • الظن ببطلان الصلاة وإعادتها من جديد: وهذا غير صحيح؛ فالصلاة صحيحة كما سبق تفصيله، ولا حاجة لإعادتها، بل يكفي سجود السهو.
  • محاولة جبر النقص بزيادة ركعة كاملة بدلًا من سجود السهو: وهذا خطأ فقهي وقع فيه بعض المصلين بحسن نية، وهو زيادة في الصلاة عن غير علم، ولا يلزم بسببه إعادة الصلاة إن كان جاهلًا بالحكم، لكن الصواب أن يُجبر النقص بسجدتي سهو فقط لا بركعة كاملة.
  • الرجوع إلى التشهد بعد الشروع في قراءة الفاتحة ظنًّا أن الأمر متاح ما دام لم يركع بعد: والصحيح أن حرمة الرجوع تبدأ من الشروع في القراءة نفسها لا من الركوع.
  • الخلط بين حكم التشهد الأول وحكم التشهد الأخير: فالتشهد الأخير ركن من أركان الصلاة عند الحنابلة والشافعية، فمن تركه عندهم بطلت صلاته ولزمه تدارُكه مهما تقدم في الصلاة، بخلاف التشهد الأول الذي موضوعه هذا المقال.

جدول مقارن: حكم نسيان التشهد الأول عند المذاهب الأربعة

يلخّص هذا الجدول موقف المذاهب الفقهية الأربعة من حكم التشهد الأول نفسه، ومحل سجود السهو عند نسيانه:

المذهب حكم التشهد الأول نفسه محل سجود السهو لتركه
الحنفية واجب (وليس ركنًا) بعد السلام (الأفضل عندهم، ويصح قبله)
المالكية سنة من سنن الصلاة قبل السلام
الشافعية من الأبعاض (سنة مؤكدة) قبل السلام
الحنابلة واجب (وليس ركنًا) قبل السلام

أسئلة شائعة عن نسيان التشهد الأول

هل تبطل الصلاة بنسيان التشهد الأول؟

لا، لا تبطل الصلاة بنسيان التشهد الأول في قول جمهور أهل العلم، بل هي صحيحة، ويكفي جبر هذا النقص بسجود السهو قبل السلام كما فعل النبي ﷺ، ولا حاجة لإعادة الصلاة من جديد.

هل يختلف هذا الحكم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء؟

لا فرق بين هذه الصلوات جميعًا في هذا الحكم، فكل صلاة فيها أكثر من ركعتين (الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء) لها تشهد أول بعد الركعة الثانية، وحكم نسيانه واحد فيها كلها.

ماذا لو نسيت سجود السهو نفسه ولم أتذكره إلا بعد السلام؟

إن كان الفصل قريبًا عرفًا (لم تخرج من المسجد ولم يطل الوقت) فاسجدهما حينئذ ولو بعد الكلام، أما إن طال الفصل بما يخرج به عن حكم الصلاة عرفًا، فقد اختلف الفقهاء في حكم صلاته حينئذ، والأحوط لمن وقع له ذلك أن يستفتي أهل العلم في حالته بعينها.

هل في صلاتَي الفجر والجمعة تشهد أول؟

لا، فصلاة الفجر وصلاة الجمعة ركعتان فقط، وليس فيهما إلا تشهد واحد (وهو التشهد الأخير)، فلا يُتصوَّر فيهما نسيان "تشهد أول" أصلًا.

ما الفرق بين نسيان التشهد الأول ونسيان التشهد الأخير؟

التشهد الأول -موضوع هذا المقال- إذا نُسي جُبر بسجود السهو ولا تبطل الصلاة باتفاق كما سبق. أما التشهد الأخير فهو ركن من أركان الصلاة عند الشافعية والحنابلة، لا تصح الصلاة بدونه، فمن نسيه وسلّم وجب عليه أن يأتي به مهما تذكره ما لم يطل الفصل، بخلاف الحنفية والمالكية الذين يرون أنه واجب لا ركن.

هل يجوز أن أتعمد ترك التشهد الأول لأنه سنة عند بعض المذاهب؟

لا يُنصح بذلك؛ فحتى المذاهب التي تراه سنة لا تُجيز تعمد تركه استخفافًا، وقد نصّ بعض أهل العلم على أن من تركه عامدًا وهو عالم بمشروعيته أثِم، بل ذهب بعضهم إلى بطلان الصلاة بتعمد تركه. والأَولى بالمسلم أن يحرص على الإتيان به كما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، ولا يترك من هدي الصلاة شيئًا إلا لعذر النسيان.

نسيان التشهد الأول جزء من طبيعة النسيان البشري الذي لا يخلو منه مصلٍّ، ولذلك جعل الشرع له علاجًا يسيرًا لا يُرهق المصلي ولا يُوقعه في وسواس إبطال الصلاة وإعادتها؛ فسجدتا السهو تجبران هذا النقص وتُتمّان الأجر بإذن الله. وقد علّمنا القرآن أن نلجأ إلى الله بهذا الدعاء بالذات في مثل هذه المواقف: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: 286]. فإن وقع لك هذا النسيان فلا تشغل قلبك بالقلق، وطبّق الحالة التي تنطبق عليك مما سبق، وأتمّ صلاتك مطمئنًّا.

معلومات وإخلاء مسؤولية (Disclaimer):

المحتوى المنشور في هذا المقال مُعدّ لأغراض التثقيف والإرشاد العام فقط، ولا يُعتبر بأي حال من الأحوال بديلاً عن الاستشارة الطبية أو النفسية التخصصية، أو الفتاوى الشرعية المخصصة للحالات الفردية. نوصي دائماً بمراجعة الجهات الإفتائية الرسمية أو أهل العلم المعتمدين في المسائل الفقهية، والتوجه فوراً للأطباء والأخصائيين المؤهلين للتشخيص الطبي والعضوي والنفسي قبل تطبيق أي توصيات عامة أو ممارسات للرقية الشرعية.

بحث فقهي مرتبط

حكم الصلاة في السفينة والطائرة والوسائل المتحركة

دليل فقهي شامل وموثق لحكم الصلاة في السفينة والطائرة والسيارة والقطار، يوضح الفرق بين الفريضة والنافلة، وآراء المذاهب الأربعة، وكي...

بحث فقهي مرتبط

كيفية صلاة التسابيح بالتفصيل والخطوات الصحيحة

دليل شامل لكيفية أداء صلاة التسابيح خطوة بخطوة كما وردت في الحديث، مع بيان عدد التسبيحات في كل ركن، وعرض أمين لخلاف العلماء حول در...

شعار التطبيق
تطبيق القرآن ومواقيت الصلاة
قم بتثبيت الموقع كتطبيق على هاتفك