المدونة الإسلامية

أدعية الرقية الشرعية للأطفال من البكاء والأنين مكتوبة

تم النشر في: 2026-08-13 | بحوث إسلامية وفقهية موثقة

يشتدّ قلق كثير من الآباء والأمهات حين يطول بكاء طفلهم الرضيع أو الصغير دون سبب واضح، ويعلو صوت الأنين والتوجّع منه خاصة في الليل، فيتساءلون: هل هذا مغص عابر أم أثر عين؟ وما الذي علّمنا إياه النبي ﷺ لرقية طفل يبكي ويئنّ؟

في هذا المقال تجد أدعية الرقية الشرعية للأطفال من البكاء والأنين كاملة وثابتة، بدءًا برقية النبي ﷺ للحسن والحسين، ومرورًا بسورة الفاتحة ورقية جبريل ودعاء إذهاب الباس، وكل دعاء موثّق بمصدره من صحيحي البخاري ومسلم ودرجته عند أهل العلم، إضافة إلى خطوات الرقية العملية، والفرق بين بكاء الأسباب الطبيعية وبكاء العين، وأخطاء شائعة يقع فيها كثير من الآباء ينبغي الحذر منها.

مشروعية الرقية الشرعية وشروطها في الإسلام

الرقية الشرعية مشروعة بإجماع أهل العلم، بل هي من هدي النبي ﷺ نفسه الذي كان يُرقى ويرقي غيره. فعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: "كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ" [رواه مسلم]. ومن هذا الحديث استنبط أهل العلم شروط الرقية الجائزة، وهي ثلاثة:

  • أن تكون بكلام الله، أو بأسمائه وصفاته، أو بما ثبت عن النبي ﷺ من الأدعية، أو بكلام عربي معلوم المعنى: فلا يجوز الرقية بألفاظ مجهولة أو طلاسم لا يُعرف معناها.
  • أن يُعتقد أن الرقية سبب لا تأثير لها بذاتها، وأن الشافي هو الله وحده: ولهذا تجد أكثر أدعية الرقية تُختم أو تُفتتح بـ"الله يشفيك"، إقرارًا بأن الشفاء بيد الله لا بالكلمات نفسها.
  • ألا يكون فيها شرك: كدعاء غير الله، أو الاستعانة بالجن، أو ألفاظ توحي بأن الراقي أو التميمة تملك نفعًا أو ضرًا مستقلًا عن الله.

فإذا توافرت هذه الشروط، فرقية الطفل الباكي بالقرآن والدعاء المأثور عبادة مشروعة بل مستحبة، وليست بدعة ولا مبالغة كما قد يظن البعض.

الدليل على مشروعية رقية الأطفال خصوصًا من البكاء والأنين

كان النبي ﷺ يخصّ أحب الناس إليه من الأطفال بالرقية، وهذا أصل يدل على مشروعية رقية الطفل تحديدًا لا الكبار فقط، فقد كان يعوّذ حفيديه الحسن والحسين وهما طفلان صغيران بالكلمات التامات، كما سيأتي نصها في الفقرة التالية، وأخبر أن أباهما إبراهيم عليه السلام كان يعوّذ بها ولديه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام [رواه البخاري].

وأدلّ من ذلك على ربط الرقية بسوء الحال الظاهر على الطفل تحديدًا، ما رواه أسماء بنت عميس رضي الله عنها، إذ سألها النبي ﷺ عن أبناء أخيها جعفر بن أبي طالب: "مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً، تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنَّ الْعَيْنَ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ. قَالَ: ارْقِيهِمْ" [رواه مسلم]. ففي هذا الحديث أمرٌ صريح من النبي ﷺ برقية الأطفال حين يظهر عليهم سوء الحال الذي لا سبب طبي ظاهر له، وهو ما ينطبق تمامًا على حال الطفل الذي يبكي ويئنّ كثيرًا دون أن يجد أهله له سببًا واضحًا.

أدعية الرقية الشرعية الثابتة للطفل من البكاء والأنين

هذه الأدعية والآيات هي ما ثبت عن النبي ﷺ في رقية المريض والمتوجع، يرقي بها الوالد أو الوالدة طفلهما دون حاجة إلى راقٍ من خارج البيت، ويجمع منها المسلم ما تيسر له، ولا حرج في الاقتصار على واحدة منها عند الحاجة إلى الاختصار:

1. سورة الفاتحة: فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ مرّوا بحيّ من أحياء العرب فلم يُضيّفوهم، فلُدغ سيد ذلك الحي، فقالوا: هل فيكم راقٍ؟ فرقاه أحد الصحابة بفاتحة الكتاب فبرأ كأنما نُشط من عقال، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: "وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟" [رواه البخاري]، مُقرًّا بذلك أن الفاتحة رقية تامة لكل داء بإذن الله. ونصها:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) [الفاتحة: 1-7]

2. رقية "أعوذ بكلمات الله التامة": وهي الرقية التي كان النبي ﷺ يعوّذ بها الحسن والحسين رضي الله عنهما، ونصها كما في صحيح البخاري:

"أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ" [رواه البخاري]. تُقال وأنت واضع يدك على الطفل أو محتضنه، بنية الرقية له، تمامًا كما كان النبي ﷺ يفعل مع حفيديه. ومعنى "هامة": كل ذات سمّ من الحشرات والدواب، ومعنى "عين لامة": العين التي تصيب بسوء. ومن أراد مخاطبة الطفل مباشرة فله أن يقول: "أُعِيذُكَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ..." للولد، و"أُعِيذُكِ..." للبنت، وهي صيغة واردة أيضًا في بعض ألفاظ الحديث.

3. المعوذتان (الفلق والناس) مع النفث: فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ: "كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا" [متفق عليه]. والنفث نفخ خفيف يخالطه شيء يسير من الريق لا بصق حقيقي، ويكون في راحتي اليد ثم تُمسح بهما جسد الطفل، أو يُنفث مباشرة نفثًا خفيفًا جدًا على رأسه وصدره. ونص السورتين:

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) [الفلق: 1-5]
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَٰهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) [الناس: 1-6]

4. آية الكرسي: من أعظم آيات القرآن على الإطلاق، وقد أدخلها أهل العلم في مصنفات الرقية لعمومها في تقرير عظمة الله وإحاطته بخلقه وحفظه لهم، إضافة إلى ما ثبت في فضلها من حفظ قارئها من الشيطان. ونصها:

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: 255]

5. رقية جبريل عليه السلام: فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى جبريل عليه السلام النبي ﷺ فقال: "يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ" [رواه مسلم]. تُقال وأنت تمسح على الطفل أو تضع يدك على موضع الألم منه، والخطاب فيها للطفل مباشرة كما وردت.

6. دعاء إذهاب الباس: فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يقول لبعض أهله عند المرض، ويمسح بيده اليمنى: "اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَأْسَ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا" [متفق عليه]. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للشفاء العام، ويصلح لكل حالة بكاء أو ألم أو مرض ظاهر السبب أو خفيّه.

كيف ترقي طفلك خطوة بخطوة

لا تحتاج رقية الطفل إلى راقٍ متخصص في الغالب، بل هي مما يحسن أن يتولاه الوالدان بأنفسهما، وذلك على النحو التالي:

  1. الوضوء إن تيسر: وهو مستحب لا شرط، فلا حرج في الرقية على غير وضوء عند الحاجة.
  2. استحضار النية والتوكل على الله: مع اليقين أن الرقية سبب، وأن الشافي هو الله وحده لا القارئ ولا الكلمات بذاتها.
  3. احتضان الطفل أو وضع اليد اليمنى على موضع الألم أو الصدر: اقتداءً بهدي النبي ﷺ في مسح المريض بيده.
  4. قراءة الفاتحة، ثم آية الكرسي، ثم المعوذتين، مع النفث الخفيف: بجمع الكفين والنفث فيهما ثم مسح جسد الطفل بهما، أو النفث مباشرة على رأسه وصدره نفثًا خفيفًا جدًا لا بصاقًا.
  5. قول أدعية الرقية المأثورة: كرقية "أعوذ بكلمات الله التامة"، ورقية جبريل، ودعاء إذهاب الباس، مرة أو أكثر بحسب حال الطفل، دون التزام عدد معين لم يثبت فيه نص خاص بهذه الحالة.
  6. تكرار الرقية عند تكرر البكاء: فلا حرج في إعادتها كل مرة يشتد فيها بكاء الطفل أو أنينه، فليست الرقية مرة واحدة تكفي إلى الأبد.
  7. الدعاء للطفل بأسلوبك الخاص: فبعد الأدعية المأثورة، لا حرج أن تدعو لطفلك بما تيسر من الدعاء بالشفاء والحفظ والعافية.

ولا حرج في رقية الطفل وهو نائم كما لا حرج فيها وهو مستيقظ يبكي، ولا يشترط أن يفهم الطفل معنى ما يُقرأ عليه، فنفع الرقية ليس متوقفًا على فهم المرقيّ لها.

هل بكاء الطفل وأنينه سببه العين دائمًا؟

من الأمانة العلمية والشرعية ألا يُفسَّر كل بكاء أو أنين عند الطفل بأنه أثر عين أو حسد أو سحر؛ فقد أرشدنا النبي ﷺ إلى الجمع بين الرقية والتداوي، فقال: "تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ" [رواه أبو داود وإسناده صحيح]. فالرقية سبب من الأسباب، ولا تُغني عن الأسباب الأخرى التي أمر الشرع بالأخذ بها، ومنها مراجعة الطبيب.

ومن أكثر أسباب بكاء الرضيع وأنينه شيوعًا، والتي لا علاقة لها بالعين أو الحسد أصلًا:

  • المغص وغازات البطن: من أكثر أسباب البكاء المصحوب بتقوس الجسد وشدّ الرجلين شيوعًا في الأشهر الأولى.
  • التسنين: ويصاحبه أنين وسيلان لعاب وميل لعضّ الأشياء.
  • الجوع أو الحاجة لتغيير الحفاض: أبسط الأسباب وأكثرها إغفالًا حين ننشغل بالبحث عن تفسير آخر.
  • الإرهاق أو الحاجة إلى النوم: فبعض الأطفال يبكون ويئنّون تعبيرًا عن التعب لا الألم.
  • ارتفاع الحرارة أو وعكة صحية عابرة: كنزلات البرد أو التهابات الأذن.

فإذا استمر البكاء أو الأنين، أو صاحبه ارتفاع حرارة، أو توقف الطفل عن الرضاعة، أو ظهرت عليه علامات تستدعي القلق، فالواجب أولًا مراجعة الطبيب، مع عدم ترك الرقية والدعاء، فهما يجتمعان ولا يتعارضان.

علامات قد تصاحب إصابة الطفل بالعين

ذكر أهل العلم أن للعين علامات قد تظهر على المصاب بها، منها ما هو عام يشمل الكبير والصغير، مثل تغيّر مفاجئ في الحال دون سبب مرضي بيّن، واصفرار أو شحوب لم يكن من قبل، وضيق في النفَس أو كثرة التثاؤب والتمطي. وفي الرضيع خصوصًا، قد يُضاف إلى ذلك كثرة البكاء والأنين ليلًا خاصة، وإحجامه المفاجئ عن الرضاعة، واضطراب نومه دون سبب ظاهر.

لكن يجب التأكيد أن هذه العلامات جميعها غير قاطعة، وتتشابه تمامًا مع أعراض أمراض عضوية شائعة عند الرضّع كالمغص والتسنين والالتهابات البسيطة؛ فليست وسيلة تشخيص، وإنما هي استئناس فقط. والأصل الذي أرشد إليه النبي ﷺ هو الجمع بين الرقية والدعاء من جهة، ومراجعة الطبيب من جهة أخرى، دون الانسياق وراء الوسواس أو اتهام شخص بعينه دون بيّنة واضحة.

الوقاية اليومية من العين والحسد

الوقاية خير من الرقية بعد وقوع الأذى، وقد أرشدنا الشرع إلى سبب وقائي بسيط عظيم الأثر، وهو الدعاء بالبركة عند رؤية ما يُعجب من الطفل. فعن النبي ﷺ: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ" [رواه النسائي وصححه الألباني]. فمن رأى طفلًا جميلًا أو سمينًا أو ذكيًا فأعجبه، فليقل: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، أو "اللهم بارك فيه"، أو "تبارك الله أحسن الخالقين"، فهذا الدعاء بذاته رقية وقائية.

  • تعويد البيت على أذكار الصباح والمساء وقراءة المعوذات يوميًا على الأطفال.
  • تعليم من حولك من الأهل والزوار قول دعاء البركة عند الإعجاب بالطفل، بلطف لا بحرج.
  • عدم الإكثار من نشر صور الطفل في المجالس العامة أو مواقع التواصل دون حاجة.
  • المحافظة على قراءة القرآن في البيت، فللبيوت التي يُذكر الله فيها أثر ظاهر في طمأنينتها.
  • تعليم الطفل هذه الأذكار تدريجيًا كلما كبر وصار قادرًا على الحفظ.

تحذيرات مهمة: التمائم والمشعوذون وأخطاء شائعة

مع انتشار الرقية الشرعية الصحيحة، انتشرت معها ممارسات مخالفة للشرع ينبغي التنبّه لها وتجنّبها:

  • تعليق التمائم والخرزة الزرقاء: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ" [صححه الألباني]، وقد أفتت دور الإفتاء المعاصرة بأن الخرزة الزرقاء أو الكف المعلّق ليس لها أي أثر شرعي أو حسي في دفع العين، بل الاعتماد عليها مما ينافي التوكل على الله، والوقاية الحقيقية إنما تكون بالدعاء والرقية المأثورة لا بالأشياء المعلّقة.
  • الذهاب إلى المشعوذين والعرّافين: فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك أشد النهي، وقال: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" [رواه مسلم]، بل من صدّقهم فيما يدّعونه من علم الغيب فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ كما في حديث آخر صحيح. وكل من يدّعي معرفة "من فعل بطفلك كذا"، أو يطلب اسم الأم واسم الطفل الثلاثي لأغراض غامضة، فهذا من علامات الدجل الواجب الحذر منه.
  • تفسير كل بكاء أو حرارة بأنها عين أو سحر: وقد سبق بيان أن هذا خلاف الأمانة العلمية والشرعية، وأن الأصل مراجعة الطبيب أولًا قبل الجزم بأي سبب آخر.
  • اتهام الأقارب أو الزوار بالعين دون بيّنة: فهذا من إساءة الظن المنهي عنها، والأصل حسن الظن بالمسلمين ما لم يظهر خلاف ذلك.
  • ترديد رقى مجهولة منتشرة على مواقع التواصل: ببعض الكلمات غير العربية أو غير المفهومة، أو المنسوبة زورًا للنبي ﷺ دون تخريج، فهذا مخالف للشرط الأول من شروط الرقية الجائزة، وينبغي الاقتصار على ما ثبت في هذا المقال وأمثاله من المصادر الموثقة.

جدول سريع: أي دعاء تقرأ ومتى

يمكن الرجوع إلى هذا الجدول مباشرة لاختيار الدعاء الأنسب لحالة طفلك:

الحالة الدعاء المناسب
بكاء مفاجئ متكرر دون سبب طبي واضح رقية "أعوذ بكلمات الله التامة" مع الفاتحة
أنين وتوجّع يصاحبه ألم ظاهر (كالتسنين أو المغص) دعاء "اللهم رب الناس أذهب الباس" مع المسح
الشك في إصابة الطفل بالعين أو الحسد رقية جبريل "بسم الله أرقيك" مع المعوذتين والنفث
وقاية يومية بعد إعجاب الزوار بالطفل "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" أو "اللهم بارك فيه"
بكاء ليلي متكرر عند محاولة النوم آية الكرسي والمعوذتان قبل النوم مباشرة
حالة عامة لا يُعرف سببها بدقة الجمع بين جميع الأدعية السابقة مع مراجعة الطبيب

أسئلة شائعة عن رقية الأطفال من البكاء والأنين

هل يجوز أن يرقي الوالدان طفلهما بنفسيهما دون شيخ أو راقٍ؟

نعم، بل هذا هو الأصل والأفضل؛ فرقية الوالدين لطفلهما من أعظم أسباب البركة والقبول، لما يجمعانه من صدق الدعاء وشدة الشفقة، ولا حاجة إلى البحث عن راقٍ من خارج البيت إلا في حالات نادرة يتعذر فيها ذلك.

هل يشترط عدد معين من مرات تكرار الرقية؟

لم يثبت عن النبي ﷺ عدد ملزم لهذه الأدعية بعينها في رقية الطفل، وما يشيع من تكرارها ثلاثًا أو سبعًا مأخوذ بالقياس على أحاديث أخرى في الرقية عمومًا، فلا حرج في التكرار بحسب الحاجة دون تكلّف أو وسواس في العدّ.

هل تُقرأ هذه الأدعية وقاية يومية أم عند البكاء فقط؟

الأصل أنها رقية عند الحاجة، أي حين يبكي الطفل أو يظهر عليه الانزعاج، لكن لا حرج أن تجعلها الأم وردًا يوميًا وقائيًا صباحًا ومساءً، فهذا من كمال الأخذ بالأسباب، ولا يتعارض مع كونها رقية عند الحاجة أيضًا.

هل تنفع الرقية إذا كانت عبر تسجيل صوتي أو تطبيق هاتف؟

الأصل أن يقرأ الوالد أو الوالدة بنفسه ليجمع بين القراءة والدعاء والمسح، وهذا أقرب للهدي النبوي وأعظم أثرًا، لكن لا حرج في الاستعانة بتسجيل موثوق لآيات الرقية إذا تعذر الحفظ أو القراءة المباشرة.

كيف أفرّق عمليًا بين بكاء المغص وبكاء العين؟

لا يوجد فرق قاطع يمكن الجزم به، فكلاهما قد يتشابه في العلامات الظاهرة. والمسلك الشرعي والعملي السليم هو الجمع بين الأمرين معًا: مراجعة الطبيب لنفي الأسباب العضوية، مع عدم ترك الرقية والدعاء في كل الأحوال، فهي نافعة سواء كان السبب عضويًا أو غير ذلك.

هل رقية الطفل تعني ترك الطبيب والدواء؟

لا، بل الجمع بينهما هو الهدي الصحيح، فقد أمر النبي ﷺ بالتداوي كما تقدم، وما زال الصحابة يجمعون بين الرقية والعلاج الطبي المتاح في زمانهم. فمن ترك الطبيب اعتمادًا على الرقية وحدها مع وجود أعراض تستدعي القلق، فقد فرّط في سبب أمر الشرع بالأخذ به.

ما حكم أخذ الراقي أجرة على رقية الطفل؟

يجوز أخذ الأجرة على الرقية الشرعية، ودليله حديث اللديغ الذي رقاه الصحابي بالفاتحة كما تقدم، وأخذ عليه أجرًا من الغنم، فأقرّه النبي ﷺ وقال: "خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ" [متفق عليه]، لكن ينبغي ألا تكون الأجرة مبالغًا فيها بما يوحي باستغلال حاجة الناس وخوفهم على أطفالهم.

متى تكون العين مدعاة للاستغسال (غسل من أصابت بالعين)؟

إن عُرف الشخص الذي صدرت عنه العين بيقين، فقد ثبت في السنة جواز أن يتوضأ ويُؤخذ من أثر وضوئه فيُصب على المصاب، لحديث: "الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا" [رواه مسلم]. أما إن لم يُعرف الفاعل بيقين، فلا يجوز اتهام أحد بالظن، ويُكتفى بالرقية والدعاء دون البحث عن "الفاعل".

بكاء الطفل وأنينه جزء من فطرته وطريقته الوحيدة للتعبير عمّا يجول بداخله، وواجب الوالدين أن يجمعا بين الأخذ بالأسباب الطبية الظاهرة والتحصين الروحي بالرقية الشرعية الثابتة، بقلب مطمئن متوكل على الله لا بقلب موسوس يخشى من كل شيء. فارقِ طفلك بما ثبت في هذا المقال، وادعُ له بالشفاء والحفظ والعافية، وأحسن الظن بربك أنه سيهدئ بكاء صغيرك ويجيب دعاءك، فهو أرحم به من قلبك الذي يتقطع لبكائه.

معلومات وإخلاء مسؤولية (Disclaimer):

المحتوى المنشور في هذا المقال مُعدّ لأغراض التثقيف والإرشاد العام فقط، ولا يُعتبر بأي حال من الأحوال بديلاً عن الاستشارة الطبية أو النفسية التخصصية، أو الفتاوى الشرعية المخصصة للحالات الفردية. نوصي دائماً بمراجعة الجهات الإفتائية الرسمية أو أهل العلم المعتمدين في المسائل الفقهية، والتوجه فوراً للأطباء والأخصائيين المؤهلين للتشخيص الطبي والعضوي والنفسي قبل تطبيق أي توصيات عامة أو ممارسات للرقية الشرعية.

شارك هذا البحث مع إخوانك

شعار التطبيق
تطبيق القرآن ومواقيت الصلاة
قم بتثبيت الموقع كتطبيق على هاتفك