ما حكم من أتى زوجته من الدبر برضاها؟ سؤال يتردد كثيرًا بين الأزواج، خصوصًا مع انتشار من يزعم أن رضا الزوجة أو وجود خلاف قديم بين الفقهاء يجعل الأمر مباحًا أو محل اجتهاد معتبر اليوم. والحقيقة أن هذه المسألة من أوضح المسائل عند جمهور أهل العلم، وقد قامت عليها أدلة صريحة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة لا تحتمل هذا التأويل. في هذا المقال نستعرض الحكم الشرعي كاملًا بأدلته من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الأربعة، ونجيب تحديدًا عن أثر رضا الزوجة على الإثم، ونردّ على الشبهة المنسوبة لبعض السلف في إباحته، مع بيان ما يجب على من وقع في هذا الذنب.
نظرة عامة: حكم إتيان الزوجة من الدبر في الإسلام
اتفق جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الأربعة على أن إتيان الزوجة في دبرها فعل محرم، بل عدّه كثير من الفقهاء من كبائر الذنوب، ووصفه بعضهم بأنه أشبه بـ"اللواط الأصغر"؛ لاشتراكه مع فعل قوم لوط في إتيان موضع غير مُعَدٍّ للوطء أصلًا. وهذا الحكم ليس اجتهادًا فرديًا من عالم أو مذهب بعينه، بل هو ما دلت عليه نصوص صريحة من القرآن الكريم، وتوافقت عليه روايات متعددة في السنة النبوية الصحيحة، حتى قال غير واحد من أهل العلم إن الخلاف فيه لا يُعتد به لضعف أو شذوذ من نقله عن بعض السلف، كما سيأتي بيانه بالتفصيل.
الأدلة من القرآن الكريم
الأصل الأول الذي يُستدل به في هذه المسألة قوله تعالى:
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: 223]
وقد يظن بعض الناس أن قوله "أنّى شئتم" يعني الإباحة المطلقة من أي موضع، وهذا فهم خاطئ لسياق الآية وسبب نزولها؛ فقد روى الإمام البخاري ومسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن اليهود كانت تزعم أن الرجل إذا أتى امرأته من خلفها -وهو في القبل لا في الدبر- جاء الولد أحول، فأنزل الله هذه الآية ليبطل هذا الزعم، ويبيّن أن للزوج أن يأتي زوجته من أي جهة أو في أي وضع شاء، لكن في موضع واحد لا غير، هو "الحرث". والحرث في اللغة هو موضع الزرع الذي يُخلق منه الولد، وهذا الموضع هو القبل حصرًا، أما الدبر فليس محلًا للحرث ولا للولد، وإنما هو محل الأذى، فلا يدخل في عموم الآية بحال؛ بل الآية نفسها حين خصّت لفظ "الحرث" دلّت بمفهومها على تحريم إتيان غير موضع الحرث.
الأدلة من السنة النبوية الصحيحة
جاءت أحاديث صحيحة متعددة عن النبي ﷺ تحرّم هذا الفعل تحريمًا صريحًا لا لبس فيه، منها:
"لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا" [صححه ابن خزيمة في صحيحه، ورواه نحوه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح].
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ" [رواه أحمد والنسائي، وحسّنه السيوطي].
"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا" [رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني].
"مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني].
ولفظ "كفر" في هذا الحديث الأخير لا يُراد به الخروج من الإسلام لمجرد فعل هذه المعصية، كما بيّن ذلك أهل العلم، وإنما هو من باب التغليظ والتحذير الشديد، أو هو محمول على من فعله مستحلًّا له بعد علمه بتحريمه، وهو ما يسميه العلماء "كفرًا دون كفر". أما من فعله وهو معتقد تحريمه فإثمه عظيم، لكنه لا يخرج بذلك من الملة.
أقوال الأئمة الأربعة وإجماع العلماء
لم تختلف المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة في أصل هذا الحكم:
- الحنفية: على تحريم ذلك بلا خلاف بين أصحاب أبي حنيفة.
- المالكية: الثابت عن الإمام مالك نفسه إنكار هذا الفعل صراحة، فقد سُئل عنه فقال: "ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ لا تعدُّوا الفرج"، وأنكر أن يكون قد أباحه وقال: "يكذبون عليّ"، وإنما نُسبت الإباحة إلى بعض الروايات الضعيفة عنه أو عن تلاميذه.
- الشافعية: على التحريم أيضًا؛ فقد نصّ الإمام الشافعي في كتابه "الأم" على أن الإتيان في الدبر محرم بدلالة الكتاب ثم السنة، وأن موضع الحرث المباح هو الفرج وحده.
- الحنابلة: على التحريم كذلك، وممن نصّ عليه ابن قدامة في "المغني" وشيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى".
وبهذا يتبين أن هذا الحكم أقرب ما يكون إلى الإجماع بين أئمة المذاهب المعتبرة، وأن ما يُروى عن بعض السلف من إباحته إنما هو أوهام في النقل أو روايات شاذة لا تصمد أمام صراحة النصوص، كما سيأتي تفصيله.
الحكمة من تحريم هذا الفعل
العلة الأصلية في تحريم إتيان الزوجة من الدبر هي مجرد ورود النص الشرعي بذلك؛ فالمسلم يمتثل لأمر الله ونهيه تعبدًا وتسليمًا، سواء أدرك الحكمة كاملة أم لم يدركها. ومع ذلك، أشار أهل العلم إلى حِكَم مرتبطة بهذا التحريم، منها:
- مخالفة الغاية من العلاقة الزوجية: فالدبر ليس موضع "الحرث" الذي شرع الله الاستمتاع فيه، وإنما هو -كما بيّن ذلك ابن باز رحمه الله- محل أذى لا محل تناسل، فإتيانه يخرج عن مقصود الآية الكريمة.
- صيانة سلامة العلاقة الزوجية: فقد أشار بعض المعاصرين إلى أضرار صحية محتملة مرتبطة بهذا الفعل، وإن كانت العلة الأصلية في التحريم هي النص الشرعي القاطع لا الاعتبار الطبي وحده.
- سد الذريعة إلى التشبه بفعل قوم لوط: فقد رأى جمهور الفقهاء أن في تحريم هذا الفعل صيانة للعلاقة الزوجية عن مشابهة فعل محرم آخر من أعظم المحرمات.
هل رضا الزوجة يُغيّر الحكم؟
هذا هو محور السؤال الذي يكثر البحث عنه: فبعض الأزواج يظن أن موافقة الزوجة على هذا الفعل ورضاها به يرفع الإثم، أو يجعله في حكم المباح بينهما باعتباره "شأنًا خاصًا بين الزوجين". وهذا الفهم غير صحيح شرعًا؛ ذلك أن تحريم إتيان الزوجة في دبرها من الأحكام المتعلقة بحق الله تعالى، لا بحق الزوجة وحدها حتى يُقال إنها إذا أسقطت حقها زال التحريم، تمامًا كما لا يبيح تراضي الزوجين على الجماع في الحيض مجرد كونه برضا الطرفين.
وقد نصّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على ذلك صراحة، فقال ما معناه: إذا وطئها في الدبر وطاوعته أثما جميعًا ووجب تأديبهما، وإلا فُرّق بينهما كما يُفرّق بين الفاجر ومن يُفجر بها. فالرضا هنا لا يسقط الإثم عن الطرفين، بل يجعلهما شريكين فيه.
ومن هنا، فإن على الزوجة ألا تطيع زوجها إذا طلب منها ذلك، ولا يُقال إن طاعة الزوج واجبة في كل شيء؛ فالطاعة الواجبة إنما هي في المعروف، أما في معصية الله فلا طاعة لمخلوق فيها. وإن أصرّ الزوج على طلبه بعد رفضها ونصحها له، فمن حقها أن ترفع أمرها إلى القضاء الشرعي أو من تثق به من أهل العلم لطلب التفريق إن استمر إصراره.
الرد على شبهة الإباحة المنسوبة لابن عمر والإمام مالك
يستدل بعض من يُروّج لإباحة هذا الفعل بما يُروى عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ونافع مولاه والإمام مالك من جواز إتيان المرأة في دبرها. والجواب عن هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: هذه الرواية عن ابن عمر لم تثبت بإسناد صحيح عند أكثر أهل العلم، حتى إن سالم بن عبدالله -ابن ابن عمر نفسه- كان يُكذّب نافعًا في نقله هذا عن جدّه. وأما الإمام مالك، فقد ثبت عنه صراحة إنكار هذا القول ونفيه عن نفسه كما تقدم، فلا يصح الاحتجاج بما يخالف تصريحه هو بنفسه.
الوجه الثاني: على فرض صحة بعض الألفاظ المنقولة عن ابن عمر، فإن مقصوده -كما بيّن ذلك أهل العلم- هو جواز إتيان الزوجة من جهة ظهرها وهي في وضع كالساجدة أو على جنبها، بشرط أن يكون الإيلاج في القبل لا في الدبر، أي أنه وصف لوضعية الجماع لا لموضعه، فتوهّم من نقل عنه ذلك أنه يجيز الإتيان في الدبر نفسه، وهذا غلط بيّن. وقد اتفق محققو أهل العلم على أن أي قول يخالف صريح القرآن والسنة الصحيحة فهو قول شاذ مردود، لا يُلتفت إليه ولا يُعمل به مهما كانت منزلة قائله.
ماذا يجب على من وقع في هذا الذنب؟
من ابتُلي بهذا الفعل، سواء بمفرده أو برضا زوجته، فالواجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح، وتتحقق بأمور:
- الإقلاع عن الفعل فورًا وعدم العودة إليه.
- الندم الصادق على ما مضى.
- العزم الجازم على عدم تكراره مستقبلًا.
- الاستغفار وكثرة الدعاء، مع الثقة بسعة رحمة الله تعالى وقبوله لتوبة عباده مهما عظم الذنب.
ولم يثبت عن النبي ﷺ تحديد كفارة معينة لهذا الفعل، فليس فيه كفارة مالية أو صيام محدد، وإنما الواجب هو التوبة الصادقة وحدها. كما أن هذا الفعل -على عظم إثمه- لا يترتب عليه فسخ عقد النكاح أو وقوع الطلاق تلقائيًا، فتبقى الزوجية قائمة بينهما، ما لم تطلب الزوجة التفريق عبر القضاء الشرعي إن أصرّ الزوج على تكرار هذا الفعل ورفض التوقف عنه.
تنبيهات مهمة
لضبط المسألة وعدم الخلط بين ما هو محرم وما هو جائز، تجدر الإشارة إلى ما يلي:
- الفرق بين الإيلاج ومجرد اللمس: المحرَّم هو الإيلاج الفعلي في الدبر، أما مجرد المداعبة الخارجية للجسد دون بلوغ حد الإيلاج في هذا الموضع، فقد أجازه بعض أهل العلم كالإمام الشافعي رحمه الله، ما دام لا يتجاوز إلى الفعل المحرم نفسه.
- الإيلاج هو مناط التحريم لا تمام الفعل: أصل الفعل هو المحرم بذاته، فمحاولة تجنّب الإنزال داخل هذا الموضع لا ترفع الإثم عن أصل الإتيان فيه.
- ليس هذا الفعل مطابقًا تمامًا لفعل قوم لوط: وإن وصفه بعض العلماء بأنه "أشبه باللواط الأصغر" لاشتراكهما في إتيان موضع غير مُعَدّ للوطء، إلا أنه يختلف عنه من حيث طبيعة العلاقة الزوجية القائمة، والحكم والعقوبة المقررة لكل منهما عند الفقهاء.
- لا اعتبار لما يخالف النص الصريح: أي قول أو رأي أو تجربة شخصية تخالف صريح القرآن والسنة في هذه المسألة لا وزن له شرعًا، مهما راج بين الناس أو انتشر في بعض الكتابات المعاصرة.
جدول سريع: حكم إتيان الزوجة من الدبر
يمكن الرجوع إلى هذا الجدول لمعرفة الحكم في كل حالة مباشرة:
| المسألة | الحكم |
|---|---|
| إتيان الزوجة من الدبر مطلقًا | حرام، ومن كبائر الذنوب |
| إذا رضيت الزوجة بذلك | لا يسقط الإثم؛ يأثم الطرفان معًا |
| إذا رفضت الزوجة وأصرّ الزوج | يجب عليها الرفض، ولها طلب التفريق عند القضاء إن استمر |
| الكفارة الواجبة عن هذا الفعل | لا كفارة محددة، والواجب التوبة الصادقة فقط |
| هل تطلق الزوجة بمجرد هذا الفعل | لا، يبقى عقد النكاح صحيحًا قائمًا |
| مداعبة الموضع دون إيلاج | أجازه بعض العلماء كالشافعي ما لم يصل لحد الإيلاج |
| من اعتقد إباحته بعد علمه بالتحريم | خطر عظيم؛ لأن جحود حكم ثابت بعد العلم به كفر |
أسئلة شائعة عن حكم إتيان الزوجة من الدبر
هل تجب الكفارة على من أتى زوجته في دبرها؟
لم تثبت كفارة محددة عن النبي ﷺ لهذا الفعل، والواجب على من فعله هو التوبة النصوح: الندم على ما مضى، والإقلاع فورًا، والعزم على عدم العودة، مع الاستغفار وكثرة الدعاء.
هل رضا الزوجة يُسقط الإثم عن الزوج؟
لا. فتحريم هذا الفعل متعلق بحق الله تعالى لا بحق الزوجة وحدها، فلا يُبيحه تراضي الطرفين، بل نصّ أهل العلم على أن الزوجين يأثمان معًا إذا تطاوعا عليه، ويجب تأديبهما.
هل تطلق الزوجة إذا فعل زوجها ذلك؟
لا يقع الطلاق بمجرد هذا الفعل، ويبقى عقد الزواج صحيحًا قائمًا. لكن على الزوجة أن ترفض الإقدام عليه مهما طُلب منها، وإن أصرّ الزوج بعد نصحها له، فلها أن تلجأ إلى القضاء الشرعي لطلب التفريق.
ما الفرق بين هذا الفعل وفعل قوم لوط؟
يختلفان من حيث طبيعة العلاقة والحكم والعقوبة المقررة عند كثير من الفقهاء، لكن وصفه بعض العلماء بأنه "أشبه باللواط الأصغر" لاشتراكهما في إتيان موضع غير مُعَدّ للوطء أصلًا، لا لتساويهما في جميع الأحكام.
هل عدم الإنزال يجعل هذا الفعل جائزًا؟
لا؛ فالمحرَّم هو أصل الإيلاج في هذا الموضع، بصرف النظر عن تمام الفعل أو انتهائه، فمحاولة تجنّب الإنزال لا تُبيح ما حرّمه الشرع أصلًا.
هل يجوز للزوج مداعبة زوجته في هذا الموضع دون إيلاج؟
فرّق أهل العلم بين الإيلاج المحرم وبين مجرد الاستمتاع بالجسد دون بلوغ حد الإيلاج في الدبر نفسه؛ فالأول محرم، وأما مجرد اللمس أو المداعبة الخارجية دون تجاوز ذلك فقد أجازه بعض العلماء كالإمام الشافعي رحمه الله.
هل يأثم من فعل ذلك جاهلًا بالحكم الشرعي؟
من فعل ذلك وهو لا يعلم أنه محرم فهو معذور فيما مضى بجهله، لكن يجب عليه التوقف فورًا والتوبة بمجرد علمه بالحكم، ولا يجوز له الاستمرار بعد بلوغه الدليل والبيان.
لماذا حُرّم هذا الفعل مع أن الزوجة حِلّ لزوجها؟
كون الزوجة حلالًا لزوجها لا يعني إباحة كل صورة من صور الاستمتاع بها؛ فكما حرّم الشرع وطأها في الحيض مع كونها حلالًا له أصلًا، حرّم أيضًا إتيانها في الدبر، فالحل الأصلي مقيد بالضوابط الشرعية لا مطلقًا من كل قيد.
حكم إتيان الزوجة من الدبر من المسائل التي لا ينبغي أن يبقى فيها أدنى لبس أو تردد، فالنصوص الشرعية من القرآن والسنة صريحة في تحريمه، ولا يبيحه رضا الزوجة، ولا يرفع إثمه تراضي الطرفين عليه، وما يُنقل خلاف ذلك عن بعض السلف فهو محمول على الوهم أو مردود بصريح النص. ومن وقع في هذا الذنب فباب التوبة مفتوح ورحمة الله واسعة، فليبادر بالإقلاع والندم والعزم على عدم العودة، وليحرص كل زوجين على أن تكون علاقتهما الزوجية في حدود ما أحلّ الله، فذلك أدعى للمودة والبركة والرضا في الدنيا والآخرة، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد.