دعاء قضاء الدين الصعب المأثور عن النبي ﷺ هو ما يبحث عنه كل مسلم أثقلته الديون وضاقت به السبل، بعيدًا عن الأدعية المنسوبة زورًا للنبي ﷺ والمتداولة على مواقع التواصل دون سند أو تخريج.
في هذا المقال تجد الدعاء الصحيح الثابت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي علّمه إياه النبي ﷺ لسداد الدين ولو كان كالجبل، إلى جانب أدعية أخرى صحيحة وحسنة لتفريج كرب الديون، ودعاء جامع لتيسير كل أمر عسير، وآيات قرآنية تعين على ذلك، مع بيان آداب الدعاء وشروط إجابته، وخطوات عملية يجمع بينها المسلم مع الدعاء ليقضي دينه بإذن الله.
وكل حديث هنا موثّق بمصدره من كتب السنة ودرجته عند العلماء، حتى تدعو وأنت على يقين أنك تسير على هدي النبي ﷺ لا على قول منسوب لا أصل له.
متى يوصف الدين بأنه "دين صعب"؟
لا يرد في الشرع تعريف خاص لمصطلح "الدين الصعب"، لكنه تعبير يستخدمه كثير من الناس ليصفوا حالة معيّنة من الاستدانة: دين تراكم من عدة جهات، أو بلغ مبلغًا يفوق قدرة صاحبه على السداد في المدى القريب، أو اقترب أجل سداده ولم يجد صاحبه مخرجًا، أو صحبه إلحاح الدائنين وضيق الصدر والقلق الذي يمنع النوم.
وسواء كان الدين قرضًا شخصيًّا لزواج أو سكن، أو التزامًا تجاريًّا تعثرت به السوق، فإن الشريعة لم تفرّق بين نوعيه في مشروعية الدعاء لتفريجه؛ فكل دين أثقل كاهل صاحبه وأقلقه يدخل فيما تعين عليه هذه الأدعية والآيات، ما دام صاحبه صادق النية في الوفاء.
حكم الدعاء لقضاء الدين ومنزلته عند الله
الدعاء عبادة عظيمة، ومن أعظم أبواب الرجاء أن يعلم العبد أن الله تعالى قريب من داعيه، مجيب لمن ألحّ عليه بالسؤال. ومما يزيد المستدين طمأنينة أن النبي ﷺ أخبر أن الله تعالى ينزل في وقت مخصوص من الليل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ" [متفق عليه].
ويُستحب لمن استدان بنية صادقة في السداد أن يُحسن الظن بربه ويثق أنه سيعينه، فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ" [رواه ابن ماجه وصححه الألباني]. فمعية الله هنا معية خاصة بالتوفيق والإعانة، لا تنقطع عن المستدين ما دام في طاعة الله وسعيًا في الحلال.
الدعاء المأثور الأعظم لقضاء الدين: حديث علي بن أبي طالب
أصحّ وأشهر دعاء ورد عن النبي ﷺ خصيصًا لقضاء الدين هو ما رواه الإمام الترمذي في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقصته أن مكاتَبًا (عبدًا كاتب سيده على مال يؤديه ليُعتَق) جاءه يشتكي عجزه عن سداد ما عليه، فقال له علي: "أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟" ثم علّمه أن يقول: "اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ" [رواه الترمذي وحسّنه الألباني].
و"جبل صِير" جبل معروف كان يُضرب به المثل في العِظَم، فمعنى الحديث أنه لو بلغ الدين في الكِبَر والثقل مبلغ الجبال لتكفّل الله بسداده لمن صدق في هذا الدعاء والتجائه إليه. ومعنى الدعاء: اللهم أغنني بما أحللتَه لي من الرزق عن الوقوع فيما حرّمتَه طلبًا للمال، واجعل فضلك وحدك كافيًا لي عن سؤال الناس والتذلل لهم.
أدعية أخرى ثابتة لقضاء الدين وتفريج كرب الديون
إلى جانب دعاء علي رضي الله عنه، وردت أدعية أخرى صحيحة أو حسنة، كل واحد منها يصلح أن يدعو به المسلم بحسب حاله:
1. دعاء معاذ بن جبل رضي الله عنه: علّم النبي ﷺ معاذًا دعاءً مشابهًا لدعاء علي في المعنى، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لمعاذ: "أَلَا أُعَلِّمُكَ دُعَاءً تَدْعُو بِهِ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ دَيْنًا لَأَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟ قُلْ يَا مُعَاذُ: اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَحْمَٰنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، تُعْطِيهِمَا مَنْ تَشَاءُ، وَتَمْنَعُ مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ، ارْحَمْنِي رَحْمَةً تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ" [رواه الطبراني بإسناد جيد كما قال المنذري، وحسّنه الألباني في صحيح الترغيب].
2. الاستعاذة من الهمّ وضلع الدين: كان النبي ﷺ يكثر من هذا الدعاء الجامع الذي يستعيذ فيه من الهمّ والدَّين معًا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ" [رواه البخاري]. و"ضلَع الدَّين": ثِقَله وشدّته حتى يُميل صاحبه ويُتعبه، وهذا من أجمع الأدعية لأنه يجمع بين طلب زوال القلق النفسي (الهمّ والحزن) وطلب زوال سببه المادي (ضلع الدين) في آنٍ واحد.
3. دعاء النوم الجامع "اقضِ عنا الدين وأغننا من الفقر": من أدعية النوم الثابتة عن النبي ﷺ ما فيه طلب قضاء الدين صراحة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول إذا أوى إلى فراشه: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنَزِّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ" [رواه مسلم]. فمن أراد الجمع بين هذا الدعاء وأذكار نومه اليومية فقد جمع بين سنّتين.
4. رواية "قل إذا أصبحت وإذا أمسيت" (تنبيه على درجتها): يشتهر في كثير من المنشورات ذكر قصة الصحابي أبي أمامة رضي الله عنه حين شكا للنبي ﷺ همومًا وديونًا، فعلّمه أن يقول صباحًا ومساءً: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ"، وأن الرجل ما لبث أن قضى الله دينه بعدها. وأمانةً علمية، فإسناد هذه القصة عند أبي داود ضعّفه الشيخ الألباني في "ضعيف أبي داود"، وإن كانت ألفاظ الدعاء نفسها ثابتة صحيحة من حديث أنس عند البخاري كما مرّ في الفقرة الثانية أعلاه؛ فالدعاء بها مشروع بيقين، أما تخصيصها بالصباح والمساء وربطها بقصة أبي أمامة تحديدًا فلا يُجزم بثبوته.
دعاء تيسير الأمور الصعبة: "اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً"
أما تيسير الأمور عمومًا -وهو الشطر الثاني من عنوان هذا المقال- فقد ورد فيه دعاء جامع يصلح لكل أمر عسير، سواء كان دَينًا أو غيره، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلًا" [رواه ابن حبان في صحيحه وصحّح إسناده شعيب الأرناؤوط].
ومعناه أن كل ما يبدو للناس سهلًا ميسورًا إنما تيسّر بتيسير الله وحده، وأن كل عسير -ومنه الدين الصعب- في مقدور الله أن يقلبه سهلًا هيّنًا في لحظة، فيُشرع للمسلم أن يستحضر هذا المعنى ويلجأ إلى الله به كلما استصعب عليه أمر من أمور دنياه، ولا يلزم فيه سبب أو مناسبة معينة.
آيات قرآنية تعين على تيسير قضاء الدين
إلى جانب السنة النبوية، ورد في القرآن الكريم وعد صريح لمن اتقى الله بأن يجعل له من كل ضيق مخرجًا، فقال تعالى:
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) [الطلاق: 2-3]. وهذه الآية من أرجى آيات القرآن للمديون، فهي تربط الفرج بالتقوى، وتَعِد بأن يأتي الرزق من طريق لم يكن في حسبان العبد أصلًا، وهذا واقع مشاهَد عند كثير ممن صبروا واتقوا.
كما ورد وعد إلهي عام بأن مع كل عسر يسرًا، فقال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) [الشرح: 5-6]، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: "لن يغلب عسرٌ يسرين"، وهو تسلية عظيمة لكل من ضاق به دينه أن يعلم أن مع هذه الشدة تحديدًا يُسرًا لا يتخلف. وربط الله تعالى أيضًا كثرة الاستغفار بسعة الرزق وكثرة المال، فقال على لسان نوح عليه السلام: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) [نوح: 10-12]؛ فمن أكثر من الاستغفار مع صدق التوبة، رجا أن يبارك الله له في رزقه حتى يقضي دينه.
آداب الدعاء لقضاء الدين وشروط إجابته
الدعاء عبادة لها آداب وأسباب تُقرِّب الإجابة، منها ما هو عام في كل دعاء، ومنها ما يخص من يدعو لقضاء دين:
- تحرّي أوقات الإجابة: كالثلث الأخير من الليل، وما بين الأذان والإقامة، وآخر ساعة بعد عصر الجمعة على أرجح أقوال أهل العلم، وعند الفطر من الصيام، وحال السفر، وحال السجود في الصلاة.
- الإلحاح وعدم الاستعجال: فلا يستبطئ العبد الإجابة فيدع الدعاء، بل يوقن أن الله يستجيب في الوقت الذي يعلم أنه الأنسب لعبده، ولو تأخر ذلك.
- طيب المطعم والمكسب: وهذا شرط جوهري كثيرًا ما يُغفل عنه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر "الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟" [رواه مسلم]. فمن كان دَينه أصلًا من مصدر فيه شبهة ربا أو غش، فإن أول خطوات إجابة دعائه أن يتوب من ذلك ويسعى للخروج منه بالطرق المشروعة لا بمزيد من الحرام.
- حسن الظن بالله: فيدعو العبد وهو موقن بالإجابة، مستحضرًا قرب الله منه، لا يائسًا ولا مستعجلًا.
الجمع بين الدعاء والسعي: خطوات عملية لسداد الدين
الدعاء وحده دون بذل الأسباب المشروعة ليس هو المنهج الذي علّمنا إياه النبي ﷺ؛ فمن أراد أن يستجاب دعاؤه لقضاء دينه فليجمع معه ما يلي:
- البحث عن كسب حلال إضافي: ولو بعمل يسير في البداية، فأبواب الرزق أوسع مما يظنّ المرء وهو في ضيقه، وقد يبارك الله لصاحب الدين في عمل صغير حتى يقضي به دينه كله.
- ترتيب الأولويات في الإنفاق: بأن يُقدَّم سداد الدين على الكماليات والنفقات غير الضرورية، فحق الدائن مقدَّم على رغبات صاحب الدين الشخصية ما دام قادرًا.
- الصدق مع الدائنين: بإخبارهم بحقيقة الوضع المالي وطلب الإمهال بدل التهرب أو المماطلة، فهذا أدعى لتفهّمهم وأبعد عن الحرج.
- الإكثار من الاستغفار والصدقة: ولو باليسير، فقد وردت آثار كثيرة عن السلف في أن الصدقة تدفع البلاء وتفتح أبواب الرزق، وإن استغرب ذلك من ضاق ماله.
- تجنّب الوقوع في الربا لسداد الدين: فالاقتراض بالربا حرام ولو اشتد الضيق، ومن وقع فيه ظنًّا منه أنه مخرج، وقع في أشدّ مما كان فيه؛ فليطلب البدائل المشروعة، وليستشر أهل العلم في حالته الخاصة إن التبس عليه الأمر.
ماذا لو مات المدين قبل سداد دينه؟
يُقلق كثيرًا من أصحاب الديون الصعبة تساؤل: ماذا لو أدركني الموت ولم أوفِّ ما عليّ؟ والجواب أن العبرة بصدق النية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ" [رواه البخاري]. فمن استدان بنية السداد، وسعى في ذلك ما استطاع، ولم يقصّر أو يماطل، فالله تعالى يتكفل بأدائه عنه ولو مات قبل أن يُتمّه، بخلاف من استدان بنية عدم الرد أو الهروب من الوفاء، فهذا متوعَّد بخلاف ذلك. ولذلك ينبغي لمن عليه دين أن يوصي به إن خشي الموت، وأن يجتهد في إبراء ذمته ما دام حيًّا، مع الثقة بوعد الله لمن صدقت نيته.
تنبيه مهم: احذر الأدعية المكذوبة لقضاء الدين
ينتشر في بعض المنشورات والقنوات ادعاءات عن أدعية أو أذكار "مجربة" لقضاء الدين خلال أيام معدودة بشرط تكرارها عددًا معينًا من المرات، دون أي سند إلى النبي ﷺ أو نص شرعي، بل بعضها من كلام مبتدَع لا يجوز اعتقاد أنه سنة أو أنه سبب شرعي مضمون النتيجة.
الواجب على المسلم أن يقتصر في اعتقاد الفضل الخاص والسببية الشرعية على ما ثبت في هذا المقال وأمثاله من الأدعية الصحيحة والحسنة، وأن يدعو بغيرها من الأدعية المباحة بأي صيغة عربية واضحة المعنى دون اعتقاد فضل خاص لم يرد به دليل، فذلك أسلم لدينه وأصدق في توكله على الله.
جدول سريع: أدعية قضاء الدين وموضع كل منها
يمكن الرجوع إلى هذا الجدول مباشرة لاختيار الدعاء الأنسب لحالتك:
| الحالة | الدعاء المناسب |
|---|---|
| الدعاء المأثور الأشهر لقضاء الدين مهما عظُم | اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك |
| عند الشعور بالهمّ والقلق مع ثقل الدين | اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن... وضلع الدين وغلبة الرجال |
| عند النوم، للجمع بين قضاء الدين وسعة الرزق | اللهم رب السماوات السبع... اقضِ عنا الدين وأغننا من الفقر |
| عند استصعاب أي أمر من أمور الدنيا عمومًا | اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا |
| لطلب تفريج الهمّ المصاحب للدين تحديدًا | دعاء معاذ بن جبل: اللهم مالك الملك... |
أسئلة شائعة عن دعاء قضاء الدين
هل يجوز الدعاء بقضاء الدين في السجود أو بعد التشهد في الصلاة؟
نعم، السجود وما بعد التشهد الأخير قبل السلام من أفضل مواضع الدعاء المستجاب في الصلاة المفروضة والنافلة، ويجوز فيهما الدعاء بأي دعاء مشروع ومنه أدعية قضاء الدين، سواء بالمأثور منها أو بغيره مما لا محذور فيه.
كم مرة يُستحب تكرار دعاء "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك"؟
لم يرد في الحديث عدد محدد لتكرار هذا الدعاء، فيجوز الدعاء به مرة أو تكراره ما شاء المسلم في يومه، وكلما ألحّ به العبد في مختلف أوقات يومه وأوقات الإجابة كان أرجى للقبول، دون أن يجعل لنفسه عددًا معينًا يعتقد لزومه.
هل يجوز أن أدعو لقضاء دين شخص آخر كوالدي أو أخي؟
نعم، بل هذا من الدعاء للغير الذي يُرجى فيه فضل عظيم، ويجوز أن تدعو بهذه الأدعية نفسها معدَّلة الضمير كأن تقول "اللهم اكفِ فلانًا بحلالك عن حرامه"، أو تدعو له بألفاظ عامة كـ"اللهم اقضِ عن فلان دينه ويسّر أمره".
هل يجوز الاقتراض بالربا إذا اشتد الكرب ولم أجد بديلاً؟
الربا محرّم تحريمًا قطعيًّا ولا يُبيحه ضيق الحال أو كثرة الديون، وشدة الكرب المالي ليست من صور الضرورة التي تُبيح المحرّمات عند جمهور أهل العلم؛ فالواجب البحث عن بدائل مشروعة كالقرض الحسن من الأهل، أو التصالح مع الدائنين على تقسيط ميسّر، ومن التبس عليه أمر معاملة بعينها فليسأل أهل العلم الموثوقين في بلده قبل الإقدام عليها.
ما الفرق بين الدعاء لتفريج الهمّ والدعاء لقضاء الدين تحديدًا؟
بعض الأدعية عامة لتفريج كل همّ وحزن كائنًا ما كان سببه، وبعضها خاص بالدين تحديدًا كدعاء علي رضي الله عنه، والأفضل الجمع بينهما؛ فمن أثقله الدين غالبًا ما يصاحبه همّ وقلق نفسي يحتاج إلى الدعاء العام أيضًا لتفريجه، لا الدين وحده.
متى يُستجاب دعاء قضاء الدين؟ وهل هناك مدة محددة؟
لم يرد في الشرع مدة زمنية محددة لإجابة الدعاء، فالإجابة قد تكون عاجلة، وقد تتأخر حكمةً من الله، وقد تكون بصرف سوء عن الداعي أو ادخارًا له في الآخرة، وهذا كله من كمال إجابة الله لعباده وإن لم يظهر أثره فورًا؛ فالمطلوب من العبد الاستمرار في الدعاء مع الأخذ بالأسباب دون قنوط، وحسن الظن بالله في كل الأحوال.
دعاء قضاء الدين عبادة يلتقي فيها القلب المتعلق بالله مع الجهد المبذول في طلب الحلال والوفاء بالحقوق. فمن جمع بين صدق الالتجاء إلى الله بهذه الأدعية الثابتة، والسعي الجاد في الكسب المشروع، والصدق مع دائنيه، فحقيقٌ بوعد الله له بالتيسير والمخرج. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يقضي عن كل مدين دينه، وأن ييسر أمر كل من ضاقت به الدنيا، إنه سميع مجيب.