المدونة الإسلامية

حكم استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الصور وتعديلها

تم النشر في: 2026-08-17 | بحوث إسلامية وفقهية موثقة

حكم استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الصور وتعديلها من المسائل الفقهية المستجدة التي كثر السؤال عنها مع انتشار تطبيقات مثل Midjourney وDALL·E وChatGPT، وفلاتر تحويل الصورة الشخصية إلى رسم كرتوني أو أنمي على سناب شات وإنستغرام.

والمسألة ليست بسيطة بـ"حلال" أو "حرام" مطلق؛ فقد تباينت فيها اجتهادات دور الإفتاء المعاصرة تباينًا حقيقيًا: فبينما أفتى مركز الفتوى بشبكة إسلام ويب بعدم الحرج في إنشاء الصور الرقمية لذوات الأرواح بالذكاء الاصطناعي، جعلت دائرة الإفتاء العام الأردنية الحكم تابعًا للاستخدام والمحتوى لا للتقنية نفسها، بينما رأى موقع الإسلام سؤال وجواب أن توليد الصورة بالذكاء الاصطناعي يأخذ حكم الرسم اليدوي تمامًا.

وفي هذا المقال نجمع هذه الاجتهادات الثلاثة بأدلتها ومصادرها، ونوضح الحالات التي لا خلاف فيها بين العلماء كصور الذات الإلهية والأنبياء والصور المفبركة، مع ضوابط عملية تنفعك أيًا كان الرأي الذي تطمئن إليه.

لماذا حرّم الفقهاء تصوير ذوات الأرواح؟ الأصل الشرعي في المسألة

قبل الخوض في حكم الذكاء الاصطناعي تحديدًا، لا بد من فهم الأصل الذي بُنيت عليه المسألة كلها: تحريم تصوير "ذوات الأرواح"، أي كل ما فيه روح من إنسان أو حيوان أو طير. وهذا التحريم ثابت بنصوص نبوية صريحة متعددة، منها:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ" [رواه البخاري (5950) ومسلم (2109)]. وقد وجّه أهل العلم شدة هذا الوعيد إلى من يصوّر قاصدًا مضاهاة خلق الله تعالى ومحاكاة صنعه، لا إلى مطلق من رسم دون هذا القصد، وإن بقي فعله محرّمًا على الراجح.

وعن عائشة وأبي طلحة رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ" [متفق عليه: البخاري (3322) ومسلم (2106)]. وفي قصة تأخر جبريل عليه السلام عن موعده مع النبي ﷺ بسبب جِرو كلبٍ كان تحت السرير، قال جبريل عليه السلام موضحًا سبب تأخره: "إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ" [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً" [متفق عليه]. ويكشف هذا الحديث القدسي عن الحكمة الأصلية من التحريم: أن في تصوير ذوات الأرواح تشبهًا بفعل الخالق سبحانه المتفرد بالخلق والإحياء. ومن هنا جاء الوعيد لمن يصنع صورة كاملة الملامح بقول النبي ﷺ: "إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ" [متفق عليه: البخاري (5607) ومسلم (2108)]، تعجيزًا له وتبكيتًا أمام الخلائق.

فالحكمة إذن ليست تعسفًا، بل تدور على أمرين اثنين: سدّ الذريعة إلى الشرك وعبادة التماثيل كما وقع في الأمم السابقة، ومنع مضاهاة صفة الخلق التي لا تليق إلا بالله عز وجل. وهذان المعنيان سيبقيان حاضرين عند الكلام عن الذكاء الاصطناعي، لأن السؤال الحقيقي هو: هل توليد صورة بأمر نصي (Prompt) لأداة إلكترونية هو "خلق" و"مضاهاة" بالمعنى الذي قصدته هذه النصوص، أم لا؟

من الرسم إلى الفوتوغرافيا إلى الذكاء الاصطناعي: تطور النقاش الفقهي

لم يكن العلماء يومًا على قول واحد في "التصوير"؛ فالفقه الإسلامي فرّق تاريخيًا بين درجات متفاوتة من التصوير:

  • التماثيل المجسّمة (المنحوتة): محل اتفاق تقريبًا على شدة تحريمها، لقربها من هيئة الأصنام التي عُبدت من دون الله.
  • الرسم على الورق أو الجدار: ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريمه إذا كان لذوات الأرواح كاملة الملامح، بينما رآه بعض فقهاء الشافعية مكروهًا كراهة تنزيه لا تحريم، كما سيأتي في فتوى إسلام ويب.
  • التصوير الفوتوغرافي: وهو الجدل الأكبر في القرن العشرين؛ إذ رأى فريق من العلماء المعاصرين -ممن مال إلى التيسير عند الحاجة العامة- أن الكاميرا تحبس ظل شيء موجود فعلًا ولا تخلق صورة من عدم، فهي أقرب إلى انعكاس المرآة منها إلى الرسم، بينما تمسك فريق آخر، ومنهم عدد من علماء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية، بعموم النصوص الواردة في التصوير، ولم يُخرجوا الفوتوغرافيا منها إلا للحاجة كصور الهوية والجوازات والتوثيق.

وجاء الذكاء الاصطناعي التوليدي ليطرح إشكالًا جديدًا لا هو بالرسم اليدوي الخالص، ولا هو بالتصوير الفوتوغرافي الذي يلتقط واقعًا موجودًا؛ فالصورة التي تنتجها أداة توليد كـ Midjourney أو DALL·E لا تقابل شخصًا حقيقيًا يقف أمام عدسة، بل تتولّد خوارزميًّا من نص أمر بناءً على تعلّم الآلة من ملايين الصور السابقة.

ومن هذا المنطلق فرّقت الفتاوى المعاصرة -كما سترى- بين حالتين متصلتين لكنهما مختلفتان من حيث الصياغة: إنشاء صورة جديدة بالكامل من وصف نصي، وتعديل أو تحويل صورة موجودة فعلًا بأداة ذكاء اصطناعي، وكلاهما محل بحثنا في هذا المقال.

حكم توليد الصور بالذكاء الاصطناعي: ثلاثة اجتهادات معاصرة

حين خُصّت مسألة توليد صور ذوات الأرواح بالذكاء الاصطناعي بالسؤال المباشر، صدرت عن ثلاث جهات إفتائية معتبرة ثلاثة اجتهادات متفاوتة في التأصيل، نعرضها هنا بأمانة مع أدلة كل قول ومصدره، ليكوّن القارئ صورة كاملة عن حقيقة الخلاف بدل الاكتفاء برأي واحد.

القول الأول: الإباحة؛ لأن الصورة الرقمية لا واقع حقيقيًا ثابتًا لها (شبكة إسلام ويب)

أجاب مركز الفتوى بشبكة إسلام ويب عن سؤال مباشر بشأن إنشاء صور للبشر أو الحيوانات بالذكاء الاصطناعي، بأن هذا الفعل "لا حرج فيه" وليس من التصوير المنهي عنه، معلِّلًا ذلك بأن الصورة الرقمية لا وجود مادي ثابت لها، وإنما هي إشارات إلكترونية تظهر على الشاشة بمجرد تشغيل الجهاز وتزول بإغلاقه [فتوى رقم 519001].

واستدل مركز الفتوى بأن بعض الفقهاء المتقدمين استثنوا من تحريم التماثيل صورًا هي في الحقيقة أثبت وأدوم من الصورة الرقمية، كتماثيل العجين والسكر التي لا تبقى، والصورة الناقصة عضوًا لا تتم الحياة إلا به، بل عدّ بعضهم الرسم على الورق مكروهًا لا محرّمًا؛ فكانت الصورة الرقمية عندهم أهون من كل ما استُثني. كما رجّح المركز عدم التشديد في نازلة عمّت بها البلوى تيسيرًا على عموم المسلمين، مستشهدًا بكلام لبعض مشايخ الشافعية نقله الزركشي في "البحر المحيط" في تقديم التوسعة على المستفتي متى خُشي عليه التساهل التام لو ضُيّق عليه بغير طائل.

ومع ذلك لم تُطلق هذه الفتوى الإباحة من كل قيد، بل نصّت على ضابطين: ألا تشتمل الصورة على محرّم كالسخرية من مسلم، وألا تُظهر عورة.

القول الثاني: الحكم تابع للاستخدام والمحتوى لا للتقنية ذاتها (دائرة الإفتاء العام الأردنية)

تناولت دائرة الإفتاء العام الأردنية سؤالًا عن حكم تحويل الصور الفوتوغرافية إلى رسومات بتقنية الذكاء الاصطناعي، فأجابت بأن العبرة في هذه المسألة بطبيعة الاستخدام ومضمون المحتوى المتداول، لا بالتقنية نفسها، وأوضحت أن هذا النوع من التحويل الرقمي لا يُعامَل معاملة الرسم اليدوي الذي يمارسه الإنسان بيده مباشرة، ولا يأخذ حكمه [فتوى رقم 3989]. ورتّبت الدائرة على هذا الجواز ثلاثة ضوابط شرعية صريحة:

  • عدم مخالفة الشرع: ألا تشتمل الصورة على محتوى محرّم، كإظهار العورات أو الظهور بمظهر غير لائق.
  • تحريم السخرية والتنمر: ألا تُستخدم هذه الصور للسخرية من الآخرين أو الاستهزاء بهم، عملًا بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات: 11].
  • تجنب الخداع والتزوير: ألا تُستخدم هذه الصور في الكذب أو الغش أو الخداع بأي صورة من الصور.

وخلاصة هذا القول أن استخدام هذه التقنية جائز ما دامت هذه الشروط الثلاثة محفوظة، ويُمنع فقط حين يُفضي إلى مخالفة أحدها.

القول الثالث: يأخذ حكم الرسم اليدوي؛ فيُفرَّق بين الصورة الكاملة والناقصة (الإسلام سؤال وجواب)

خالف موقع "الإسلام سؤال وجواب" -بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد- الرأيين السابقين في المنطلق، فقرر أن الأداة المستخدمة لا تغيّر حكم الفعل نفسه، وأن من يأمر برنامج الذكاء الاصطناعي برسم صورة فحكمه كحكم من رسمها بيده مباشرة، إذ العبرة بالفعل لا بالوسيلة [سؤال رقم 432556].

وبناءً على هذا الإلحاق، رجع الموقع إلى التفصيل الفقهي الوارد في "المغني" لابن قدامة رحمه الله في التفريق بين الصورة الكاملة والناقصة: فإن قُطع رأس الصورة أو صُوّرت بلا رأس، زالت عنها الكراهة والتحريم؛ لأن الصورة -كما قال ابن عباس رضي الله عنهما- "الرأس، فإذا قطع الرأس فليس بصورة".

وكذلك إن كانت الصورة نصفية لا تشمل ما لا تبقى الحياة بعد فقده كالصدر أو البطن، لم تدخل في النهي أيضًا؛ لأن الصورة حينئذ لا يُتصوَّر بقاؤها حية، بخلاف ما لو أُسقط منها عضو لا يمنع بقاء الحياة كاليد أو العين، فإنها تبقى داخلة في التحريم.

وعليه فحكم توليد الصور بالذكاء الاصطناعي عند هذا الرأي: إن كانت الصورة الناتجة كاملة الملامح يُتصوّر معها استمرار الحياة، فهي محرّمة كحكم الرسم اليدوي تمامًا، وإن كانت ناقصة لا يُتصوّر معها ذلك، فهي جائزة. أما مجرد استعمال صورة موجودة جاهزة -لا إنشائها من جديد- كخلفية لفيديو، أو بقاؤها محفوظة رقميًا دون طبعها على مادة ثابتة كالورق أو الجدار، فلا حرج فيه عند هذا الموقع أيضًا؛ لأن التحريم يتعلق بفعل الإنشاء أو الرسم لا بمجرد الاستعمال أو الحفظ.

الضوابط المشتركة بين الأقوال الثلاثة: ما لا خلاف فيه عمليًا

رغم اختلاف هذه الاجتهادات الثلاثة في الأساس النظري لحكم توليد الصورة نفسها، فإنها تلتقي جميعًا -بلا استثناء- عند مجموعة من الضوابط العملية، وهذا الاتفاق أهم للمستخدم العادي من الخلاف في التأصيل؛ لأنه يعني أنه أيًا كان القول الذي تطمئن إليه، فهذه الخطوط الحمراء واحدة لا تتغير:

  • خلوّ الصورة من العورات: فلا يجوز توليد صورة تُظهر عورة مغلّظة أو مخلّة بالحياء، بصرف النظر عن الحكم الأصلي في مسألة التصوير.
  • عدم استخدامها في السخرية أو التنمر أو الإساءة لشخص بعينه، سواء بتشويه ملامحه أو وضعه في موقف مُهين.
  • عدم استخدامها في الخداع أو التزوير أو الكذب، كانتحال هوية شخص، أو إثبات واقعة لم تحدث، أو الترويج لمعلومة كاذبة بصورة "مقنعة" بصريًا.
  • مراعاة القصد من الصورة؛ فإن كانت لغرض مشروع كالتصميم والتعليم والدعوة والعمل التجاري المباح، كان أقرب إلى السعة، بخلاف ما قُصد به الإضرار أو المجاهرة بالمعصية.

ولمن أراد الأخذ بالأحوط عملًا بالقول الثالث دون أن يفوّت عليه حاجته لتصميم أو محتوى بصري، فالمخرج العملي المستقى من كلام الفقهاء المتقدمين هو الاكتفاء بصورة "ناقصة" لا يُتصوّر معها استمرار الحياة: كصورة نصفية دون البطن، أو صورة الوجه واليدين دون تكوين جسدي كامل، أو حذف ملمح جوهري من الوجه.

حالات لا خلاف فيها: صور محظورة مهما كان القول الذي تأخذ به

إلى جانب الخلاف السابق في المسألة الأصلية، توجد صور فرعية للذكاء الاصطناعي لا يختلف فيها العلماء، بصرف النظر عن رأيهم في المسألة العامة:

توليد صور تُجسّد الذات الإلهية

تناولت دار الإفتاء المصرية هذه المسألة بالذات في بيان مستقل، وقررت أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في توليد أي صورة أو نموذج يحاول تجسيد الذات الإلهية سبحانه وتعالى محرّم شرعًا على كل حال، مستدلة بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]، وبالقاعدة الفقهية "ما أدى إلى الحرام فهو حرام"؛ ذلك أن أي محاولة لتمثيل الذات الإلهية بهيئة أو شكل تناقض تمامًا عقيدة التنزيه التي هي من أعظم أركان التوحيد، وتُعدّ تعديًا على ما استأثر الله بعلمه من الغيب المطلق.

توليد صور الأنبياء والصحابة

يحرم كذلك تصوير الأنبياء عليهم السلام -وفي مقدمتهم النبي محمد ﷺ- بالذكاء الاصطناعي، ولو بمحاولة تقريب صفاته الواردة في السنة الصحيحة إلى صورة تخيلية، وهذا ما نص عليه قرار صريح للمجمع الفقهي الإسلامي بتحريم تصوير الأنبياء ومنع الإقدام عليه بأي وسيلة، حفاظًا على مقامهم من التنقيص وسدًا لباب الابتداع والتحريف الذي قد يترتب على تخيّل صورهم.

الصور المفبركة (الديب فيك) والانتحال دون إذن

أكد أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية أن تزييف الصور بالذكاء الاصطناعي -سواء لشخصيات مشهورة أو أشخاص عاديين- حرام شرعًا، لما فيه من كذب وتزوير للحقائق واعتداء على حق الآخرين في صورتهم وسمعتهم. وفصّلت دار الإفتاء حكم مسألة قريبة، وهي إحياء صورة شخص متوفى أو تحريكها بالذكاء الاصطناعي لتبدو ناطقة، فبيّنت أن الحكم يتوقف على المقصد: فإن استُخدم ذلك لإظهار المتوفى ناطقًا بما لم يقله، أو منسوبًا إليه ما لم يلتزم به، أو بقصد رفض الواقع وتجديد الأحزان بما يُدخل صاحبه في اعتراض قلبي على قضاء الله، حرُم ذلك؛ لما فيه من الكذب وتزوير الواقع والإضرار بالنفس.

أما إن كان على نحو معتاد من كلامه أو أفعاله بغرض التذكار والاستئناس والدعاء له والترحم عليه، دون محذور شرعي أو ضرر نفسي، فلا حرج فيه.

صور الذكاء الاصطناعي لغير ذوات الأرواح: لا خلاف في الجواز

يغيب عن كثير من المستخدمين أن هذا الخلاف الفقهي بأكمله -على اتساعه- لا يشمل إلا صور "ذوات الأرواح"، أي الكائنات الحية من إنسان وحيوان وطير. أما ما سوى ذلك، فتوليده بالذكاء الاصطناعي جائز باتفاق، ولا علاقة له بهذه المسألة من الأساس، ومنه:

  • المناظر الطبيعية والمدن والمعمار والطرق.
  • الأشياء الجامدة كالمنتجات والأثاث والمركبات والأجهزة.
  • النباتات والأزهار والأشجار.
  • الأنماط والزخارف والتصاميم التجريدية والخطوط الفنية.

وهذا يعني أن الغالبية العظمى من استخدامات الذكاء الاصطناعي في التصميم الجرافيكي والمحتوى التسويقي وتصميم المواقع لا تدخل في محل الخلاف أصلًا، ولا حاجة فيها إلى الترجيح بين الأقوال السابقة.

حكم تحويل الصورة الشخصية إلى رسم كرتوني أو أنمي (فلاتر الذكاء الاصطناعي)

من أكثر الأسئلة تكرارًا: ما حكم استخدام فلاتر مثل "بِتموجي" أو تطبيقات تحويل الصورة الشخصية إلى رسم أنمي، حيث يرفع المستخدم صورته الحقيقية فيعيد الذكاء الاصطناعي رسمها بأسلوب كرتوني تقريبي يُعرف صاحبها منه؟

هذا بالضبط ما تناولته فتوى أخرى لدائرة الإفتاء الأردنية، أوضحت فيها أن تقنية "البتموجي" وأمثالها تُنشئ شخصيات مرئية رقمية تُشابه صاحبها إلى حدّ يمكن التعرف عليه منها، وأن حكمها -كسائر صور الذكاء الاصطناعي عند هذه الدائرة- منوط بالضوابط الثلاثة السابقة: خلوها من مخالفة شرعية، وعدم استخدامها للسخرية، وعدم استخدامها للخداع. 

فمن استخدم هذه الفلاتر لصورة شخصية محتشمة بقصد التسلية المباحة أو تمثيل نفسه في محادثة أو تطبيق، فلا حرج عليه عند هذا القول؛ أما من يرى أن الذكاء الاصطناعي يأخذ حكم الرسم (القول الثالث)، فالصورة الكرتونية الناتجة غالبًا ما تكون كاملة الملامح يُتصوّر معها استمرار الحياة، فتدخل عنده في عموم التحريم، إلا أن تكون رمزية جدًا أو ناقصة التكوين.

جدول سريع: هل يجوز استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة؟

يمكن الرجوع إلى هذا الجدول مباشرة لمعرفة الحكم الأقرب لحالتك:

الحالة الحكم
توليد صورة لمنظر طبيعي أو مبنى أو منتج (غير ذوات الأرواح) جائز باتفاق، لا خلاف فيه
توليد صورة كاملة الملامح لإنسان أو حيوان محل خلاف: جائز بضوابط عند إسلام ويب والإفتاء الأردنية، محرّم عند الإسلام سؤال وجواب
توليد صورة ناقصة (نصفية، أو بلا رأس، أو محذوفة ملمح جوهري) جائز عند الأقوال الثلاثة تقريبًا
تحويل الصورة الشخصية إلى رسم كرتوني أو أنمي بفلاتر الذكاء الاصطناعي جائز بضوابط عدم مخالفة الشرع والسخرية والخداع
توليد صورة تُجسّد الذات الإلهية محرّم بالإجماع
توليد صورة للنبي ﷺ أو الأنبياء والصحابة محرّم بقرار المجمع الفقهي الإسلامي
تزييف صورة أو فيديو شخص (ديب فيك) دون إذنه أو بمضمون كاذب محرّم بالإجماع لما فيه من كذب وتزوير واعتداء
صورة تُظهر عورة أو تُستخدم للسخرية من شخص بعينه محرّم بالإجماع بصرف النظر عن أصل المسألة

أسئلة شائعة حول حكم استخدام الذكاء الاصطناعي في الصور

هل يعتبر توليد صورة بالذكاء الاصطناعي "تصويرًا" يدخل في الوعيد الوارد بالأحاديث؟

هذه هي نقطة الخلاف بعينها بين الأقوال الثلاثة السابقة؛ فمن يرى أن الصورة الرقمية لا وجود حقيقيًا ثابتًا لها لا يُدخلها في الوعيد، ومن يرى أن الأداة لا تُغيّر حكم الفعل يُدخلها فيه إذا كانت الصورة كاملة الملامح. فلا يوجد جواب واحد قاطع، والأحوط لمن يخشى الوقوع في الشبهة الأخذ بالقول الأشد ما أمكن، خصوصًا في الصور التي يكثر تداولها أو تبقى محفوظة.

هل يجوز استخدام صور الذكاء الاصطناعي في التصميم والإعلانات والمحتوى التجاري؟

نعم، بشرط مراعاة الضوابط المشتركة السابقة من عدم إظهار العورات وعدم السخرية أو الخداع، مع الأولوية -قدر الإمكان- لتوليد صور لا تتضمن أشخاصًا أو حيوانات كاملة الملامح، كالاكتفاء بالمنتج أو المكان أو عناصر تجريدية، فهذا أخرج من الخلاف تمامًا وأدعى للسلامة.

ما حكم صور الحيوانات التي يولّدها الذكاء الاصطناعي تحديدًا؟

الحيوان داخل في مسمى "ذوات الأرواح" كالإنسان تمامًا، فينسحب عليه الخلاف والضوابط السابقة نفسها دون فرق، خلافًا لتصور شائع بأن التشديد يخص صور البشر فقط دون غيرهم.

هل يختلف الحكم إذا كانت الصورة المولّدة لشخصية خيالية لا تُمثّل إنسانًا حقيقيًا بعينه؟

لا يختلف الحكم الأصلي في مسألة التصوير من حيث كونها ذات ملامح كاملة متخيَّلة (إنسان أو حيوان خيالي)، لكن ينتفي معها محذور إضافي مهم وهو الاعتداء على حق شخص حقيقي في صورته وخصوصيته، وهو ما يجعلها أخف من حيث محاذير الكذب والتزوير والانتحال، وإن بقيت داخلة في أصل الخلاف حول التصوير نفسه.

ما الفرق بين "توليد" الصورة و"تعديل" صورة موجودة من حيث الحكم؟

لا فرق جوهري بين الحالتين عند أكثر الأقوال؛ فإنشاء صورة جديدة بالكامل من نص وصفي، وتعديل صورة موجودة فعلًا أو تحويلها بفلتر ذكاء اصطناعي، كلاهما فعل يقوم به المستخدم عبر أمر إلى الجهاز، فتنطبق عليه الأقوال والضوابط ذاتها. والفارق العملي الوحيد أن التعديل على صورة شخص حقيقي موجود يضيف محذورًا إضافيًا محتملاً هو حق ذلك الشخص في صورته، فيجب التحقق من رضاه قبل تعديل صورته أو نشرها بشكل مختلف عما هي عليه.

هل يجوز الاحتفاظ بصور ذكاء اصطناعي مولَّدة سابقًا حتى لو كنا نميل إلى القول بالتحريم؟

التحريم عند القائلين به متعلق بفعل الإنشاء أو الرسم ذاته، لا بمجرد اقتناء صورة رقمية موجودة أو حفظها على الجهاز، طالما بقيت رقمية ولم تُطبع على مادة ثابتة كالورق أو الجدار، وطالما لم تكن مما استُثني بالإجماع كصور الذات الإلهية أو الأنبياء.

مسألة توليد الصور وتعديلها بالذكاء الاصطناعي تبقى، في حقيقتها، امتدادًا لنقاش فقهي قديم حول حدود "التصوير" وحكمة تحريمه، لكنها اكتسبت طابعًا جديدًا بسبب غياب "الصورة الثابتة" التي اعتاد الفقهاء التعامل معها.

وبين من يرى أن هذا الغياب مُخرِج من أصل المسألة، ومن يرى أن العبرة بالنتيجة لا بالوسيلة، يبقى الأصل الذي لا خلاف فيه هو تقوى الله في القصد من الصورة ومحتواها: فلا عورة، ولا سخرية، ولا خداع، ولا مساس بمقام الله ورسله عليهم السلام. ومن أراد الأحوط لدينه فالأخذ بالقول الأشد -خصوصًا في الصور التي يكثر تداولها أو نشرها- أسلم لعرضه وأبرأ لذمته، والله أعلم وأحكم.

معلومات وإخلاء مسؤولية (Disclaimer):

المحتوى المنشور في هذا المقال مُعدّ لأغراض التثقيف والإرشاد العام فقط، ولا يُعتبر بأي حال من الأحوال بديلاً عن الاستشارة الطبية أو النفسية التخصصية، أو الفتاوى الشرعية المخصصة للحالات الفردية. نوصي دائماً بمراجعة الجهات الإفتائية الرسمية أو أهل العلم المعتمدين في المسائل الفقهية، والتوجه فوراً للأطباء والأخصائيين المؤهلين للتشخيص الطبي والعضوي والنفسي قبل تطبيق أي توصيات عامة أو ممارسات للرقية الشرعية.

شارك هذا البحث مع إخوانك

شعار التطبيق
تطبيق القرآن ومواقيت الصلاة
قم بتثبيت الموقع كتطبيق على هاتفك