تلجأ كثير من الحوامل في الأيام الأخيرة من الحمل، وخاصة عند اقتراب موعد الولادة، إلى الدعاء طلبًا لليسر والسكينة. وقد انتشرت عبر الإنترنت أدعية منسوبة لتسهيل الولادة، بعضها صحيح موثق وبعضها لا سند له من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ. في هذا المقال نجمع لك الآيات القرآنية والأدعية النبوية الثابتة التي يستحب ذكرها عند الطلق، موثقة المصدر، مع بيان درجة كل حديث.
هل ثبت عن النبي ﷺ دعاء خاص لتسهيل الولادة؟
لم يرد عن النبي ﷺ حديث صريح يخصص دعاءً بعينه لتسهيل الولادة تحديدًا، وهذا ما تؤكده لجان الفتوى المعتبرة. لكن القرآن الكريم كله شفاء ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82]، فتُقرأ آياته طلبًا للتيسير والبركة، لا على أنها "علاج سحري" يُغني عن الأخذ بالأسباب.
نقل الإمام السيوطي رحمه الله في "الإتقان" أن أكثر ما يُذكر من خواص بعض الآيات للولادة مصدره تجارب الصالحين لا نص نبوي مباشر. فقد روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما (موقوفًا عليه) آيات تُسهّل الولادة، وروى الإمام أحمد عن أُبَي بن كعب رضي الله عنه أن آية 54 من سورة الأعراف مما يُرقى به. وأجاز العلماء قراءة هذه الآيات تبركًا وطلبًا لليسر، لا على أنها سنة متعينة، وهذا هو منهج هذا المقال في عرضها.
آيات قرآنية مأثورة تُقرأ لتيسير الولادة وتسهيل الطلق
اتفقت كلمة العلماء على استحباب تلاوة عدد من الآيات القرآنية طلبًا للتيسير والبركة عند اقتراب موعد الولادة أو عند اشتداد الطلق، وفيما يلي أبرز هذه الآيات، مع ذكر مصدرها الفقهي وحكم الاستدلال بها:
1. آيات مخاض مريم عليها السلام: وصف القرآن الكريم لحظة مخاض السيدة مريم عليها السلام وتفريج كربها بعد الشدة، قال تعالى:
فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) [مريم: 23-24]. يستحب كثير من أهل العلم تلاوة هاتين الآيتين على الحامل، لما فيهما من تثبيت للقلب ببشارة الفرج بعد الشدة.
2. آية الرقية من سورة الأعراف: روى الإمام أحمد في مسنده عن أُبَي بن كعب رضي الله عنه ذكر آية إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف: 54] ضمن آيات الرقية الشرعية المرفوعة إلى النبي ﷺ [رواه أحمد]. وقد أدرجها بعض السلف الصالح ضمن ما يُقرأ عند تيسير الأمور الصعبة، ومنها الولادة، على سبيل التبرك بها لا الجزم بورودها نصًا في هذا الباب تحديدًا.
3. مطلع سورة الانشقاق: ذكر ابن القيم رحمه الله في "بدائع الفوائد" أن مطلع سورة الانشقاق: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) [الانشقاق: 1-2] مما جرت عادة الصالحين بقراءته لتيسير الولادة. ويكتفي أغلب العلماء المعاصرين بقراءتها مباشرة على الحامل، دون الحاجة لكتابتها ومحوها بالماء كما كان يفعل بعض المتقدمين.
4. سورة الشرح: بشارة اليسر بعد العسر: ومن أعظم ما يُقرأ عند اشتداد المخاض قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) [الشرح: 5-6]، وتكرارها له أثر نفسي وإيماني في تثبيت القلب ويقين أن كل عسر يعقبه يسر بإذن الله مهما طال. ويستحب معها قراءة آية الكرسي والمعوذتين طلبًا للحفظ والسكينة.
أدعية نبوية صحيحة تُقال عند اشتداد الطلق
إلى جانب الآيات، ثبتت عن النبي ﷺ أدعية عامة لتفريج الكرب تنطبق على الطلق كما تنطبق على أي شدة أخرى، وهي أقوى سندًا مما يتداوله كثير من الناس دون تحقق. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزَنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلًا" [رواه ابن حبان في صحيحه وصححه، وابن السني والبيهقي، وحسّنه الألباني].
كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ" [متفق عليه]، وهو من أرجى الأدعية إجابةً لثبوته في أصح كتابين بعد كتاب الله.
آداب الدعاء وقت الطلق
قبل الشروع في الدعاء، يُستحسن مراعاة عدد من الآداب التي تعين على حضور القلب وصدق التوجه:
- استحضار النية: اجعلي الدعاء عبادة قلبية بيقين تام في الإجابة، لا مجرد ترديد ألفاظ.
- البدء بالحمد والصلاة على النبي ﷺ: فهما من أسباب إجابة الدعاء المجرَّبة.
- الاستعانة بمن يرافقك: يمكن لزوجك أو من يرافقك في الغرفة أن يتلو الآيات بصوت هادئ إن شعرتِ بالإرهاق عن الترديد بنفسك.
- الجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب: فالدعاء عبادة قلبية وليس رقية بديلة عن المتابعة الطبية.
تنبيه مهم: احذري الأدعية المتداولة بلا مصدر
ينتشر عبر مواقع التواصل ومواقع نسائية عديدة قوائم طويلة من "أدعية تسهيل الولادة" تُنسب للسنة دون أي تخريج أو ذكر لمصدرها، وبعضها ألفاظ لا أصل لها من كتاب الله ولا من حديث صحيح أو حتى ضعيف. فاحرصي أن يكون كل ما تقرئينه من القرآن الكريم مباشرة، أو من دعاء ثبتت نسبته للنبي ﷺ بسند معروف كما وضحنا أعلاه، بعيدًا عن الألفاظ المجهولة المصدر مهما كثر تداولها.
جدول سريع: مصدر كل آية ودعاء ودرجته
يمكن الرجوع إلى هذا الجدول لمعرفة مصدر كل آية أو دعاء ودرجته دون الحاجة لإعادة قراءة المقال:
| الآية / الدعاء | المصدر ودرجته |
|---|---|
| آيات مخاض مريم (مريم: 23-24) | قرآن كريم |
| آية "إن ربكم الله" (الأعراف: 54) | قرآن كريم، ذكرها حديث مرفوع رواه أحمد |
| مطلع سورة الانشقاق (1-2) | قرآن كريم |
| "فإن مع العسر يسرا" (الشرح: 5-6) | قرآن كريم |
| "اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا" | حديث صحيح، رواه ابن حبان |
| دعاء الكرب "لا إله إلا الله العظيم الحليم" | حديث صحيح، متفق عليه |
أسئلة شائعة حول دعاء تسهيل الولادة
هل قراءة آيات معينة تضمن ولادة سهلة؟
لا يوجد ضمان بشري لنتيجة الولادة، فالدعاء سبب شرعي للتيسير مع الأخذ بالأسباب الطبية، والنتيجة بيد الله وحده.
هل يجوز كتابة الآيات ومحوها بالماء لشربها؟
أجاز بعض المتقدمين كابن القيم هذه الطريقة، بينما يكتفي أغلب العلماء المعاصرين بالقراءة المباشرة أو النفث، وهو أيسر وأبعد عن الخلاف.
متى تبدأ الحامل بقراءة هذه الأدعية؟
يستحسن الإكثار منها في الأسابيع الأخيرة من الحمل، والمداومة عليها منذ بداية آلام الطلق وحتى الولادة.
هل كل هذه الأدعية أحاديث صحيحة؟
الآيات القرآنية ثابتة قطعًا، أما الأدعية النبوية المذكورة (حديث أنس وحديث ابن عباس) فصحيحة موثقة، وقد نبّهنا في المقال إلى ما هو اجتهاد أو ممارسة متوارثة وليس نصًا نبويًا مباشرًا.
هل يجوز الاستعانة بتطبيق أو ورقة مكتوبة بدل الحفظ؟
نعم، لا حرج في القراءة من مصحف أو تطبيق موثوق بدل الحفظ، فالعبرة بحضور القلب وصدق التوجه إلى الله لا بحفظ الألفاظ.
الدعاء زاد كل حامل في رحلتها نحو الولادة، فاجعلي هذه الآيات والأدعية الصحيحة رفيقك في أسابيعك الأخيرة، مع يقين تام أن الله هو الميسّر الحقيقي لكل عسير. واعلمي أن كل امرأة حملت وولدت قبلك قد مرت بما تمرين به، وأن رحمة الله أوسع من كل ضيق تشعرين به الآن. ولا تنسي المتابعة الطبية المنتظمة مع طبيبك المختص طوال الحمل والولادة، فالدعاء يكمّل الأخذ بالأسباب ولا يغني عنه.