المدونة الإسلامية

دعاء للمريض بالشفاء العاجل: أدعية مأثورة من القرآن والسنة

تم النشر في: 2026-07-20 | بحوث إسلامية وفقهية موثقة

دعاء للمريض بصيغة صحيحة موثّقة هو ما يبحث عنه كثير من المسلمين حين يمرض شخص عزيز عليهم، بعيدًا عن العبارات المنتشرة على مواقع التواصل التي لا أصل لها في القرآن أو السنة. في هذا المقال أدعية النبي ﷺ الثابتة للمريض، وأدعية الأنبياء عليهم السلام كما وردت في القرآن الكريم، وطريقة الرقية الشرعية خطوة بخطوة، وحكم الدعاء للمريض إذا كان بعيدًا عنك، إضافة إلى آداب زيارته. وكل دعاء هنا مذكور بمصدره من كتب الحديث ودرجته عند العلماء، ليطمئن قلبك أنك تدعو بما صح عن رسول الله ﷺ.

فضل الدعاء للمريض وعيادته في الإسلام

جعل الإسلام عيادة المريض والدعاء له من حقوق الأخوة الإيمانية، لا مجرد عادة اجتماعية. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ" [متفق عليه].

ولعيادة المريض والدعاء له أجر يفوق تصوّر كثيرين؛ فعن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ" [رواه مسلم]، أي أنه يظل في جني ثمار الجنة ما دام في طريق زيارته. وزاد النبي ﷺ هذا الفضل بيانًا حين قال: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا" [رواه الترمذي وحسّنه].

فالدعاء للمريض إذن عبادة قائمة بذاتها، يُثاب عليها الداعي سواء استُجيب الدعاء بالشفاء العاجل أم تأخرت الإجابة، لأن الأجر معلّق بالفعل والإخلاص فيه، لا بالنتيجة وحدها.

أدعية الأنبياء في القرآن الكريم عند المرض

القرآن الكريم لم يترك المؤمن بلا زاد عند المرض؛ فقد سجّل دعاءين من أدعية الأنبياء عليهم السلام يصلحان ليكونا دعاء للمريض في كل زمان.

دعاء إبراهيم عليه السلام: في معرض ثنائه على ربه، قال إبراهيم عليه السلام: "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" [الشعراء: 80]. يذكر المفسرون أن إبراهيم عليه السلام نسب المرض إلى نفسه أدبًا مع الله تعالى، مع علمه أن المرض والشفاء كليهما بيد الله وحده؛ فليس ثمة شافٍ سواه مهما تعددت الأسباب الطبية.

دعاء أيوب عليه السلام: وحين اشتد البلاء بنبي الله أيوب عليه السلام، لم يزد على قوله: "أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" [الأنبياء: 83]، فجاءت الاستجابة فورية: "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ" [الأنبياء: 84]. ووصف المفسرون هذا الدعاء بأنه غاية الأدب في السؤال؛ إذ لم يطلب أيوب عليه السلام الشفاء صراحةً، بل وصف حاله ووصف ربه بالرحمة، فكان ذلك أبلغ في التعريض بالطلب.

دعاء النبي ﷺ للمريض من السنة الصحيحة

وردت عن النبي ﷺ صيغ محددة كان يدعو بها للمرضى، وهي أصح ما يُقال وأرجى للإجابة.

1. أذهب الباس رب الناس: كان النبي ﷺ إذا أتاه مريض يمسحه بيده اليمنى ويقول: "أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا" [متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها]. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية؛ لأنه يجمع بين طلب إذهاب الألم، وتوحيد الله باسمه "الشافي"، والتصريح بأن لا شفاء إلا منه، والدعاء بشفاء تام لا يترك للمرض أثرًا.

2. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك: وهذا الدعاء خاص بمن يعود مريضًا، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ" [رواه الترمذي وحسّنه، وصححه الألباني]. ويُكرَّر هذا الدعاء سبع مرات كما وردت به السنة، وقيّده أهل العلم بمن لم يحضر أجله، أي لم تظهر عليه علامات الاحتضار.

3. لا بأس طهور إن شاء الله: وهذه الكلمة يقولها الزائر للمريض تطييبًا لخاطره، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه كان يقول للمريض: "لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" [رواه البخاري]، أي أن هذا المرض مُكفِّر للذنوب ومطهِّر لصاحبه إن صبر واحتسب.

4. دعاء النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص: ولمّا اشتكى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وضع النبي ﷺ يده على جبهته، ثم مسحها على صدره وبطنه، وقال: "اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ" [رواه البخاري]. يقول سعد رضي الله عنه إنه ظل يحسّ ببرد يد النبي ﷺ على كبده زمنًا طويلًا بعدها. وفي الحديث دليل على جواز الدعاء المباشر للمريض باسمه، ووضع اليد عليه برفق أثناء الدعاء.

الرقية الشرعية للمريض: الطريقة النبوية خطوة بخطوة

الرقية الشرعية سبب من أسباب الشفاء التي أذن بها الشرع، وليست بديلاً عن الدعاء بل مكمّلة له. وقد علّم النبي ﷺ أصحابه رقية ذاتية بسيطة يستطيع المريض أن يرقي بها نفسه، أو يرقي بها غيره ممن يثق بدينه.

عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى النبي ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له ﷺ: "ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ (ثَلَاثًا)، ثُمَّ قُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" [رواه مسلم]. يقول عثمان رضي الله عنه: ففعلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي، فما زلت آمر به أهلي وغيرهم.

خطوات هذه الرقية باختصار:

  • وضع اليد مباشرة على موضع الألم من الجسد.
  • قول "بسم الله" ثلاث مرات.
  • تكرار "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" سبع مرات.

ويُستحب أن يُضاف إلى ذلك قراءة سورة الفاتحة كاملة، فقد ثبتت الرقية بها في حديث الصحابي الذي رقى بها رجلًا لُدغ فبرئ بإذن الله، فلما سُئل النبي ﷺ عن ذلك ضحك وقال: "وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ" [رواه البخاري]، إقرارًا منه بمشروعية الرقية بها. كذلك تُقرأ آية الكرسي والمعوذتان (الفلق والناس) لما فيهما من الاستعاذة والحفظ.

الدعاء للمريض في غيبته (بظهر الغيب)

كثيرًا ما يبحث الناس عن دعاء للمريض حين يتعذر عليهم زيارته، كأن يكون في بلد آخر أو في العناية المركزة. والبشرى أن هذا النوع من الدعاء من أكثر الأدعية إجابة؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ" [رواه مسلم].

ومعنى "بظهر الغيب" أن يدعو له في غيابه وسرّه دون علمه، وهذا أبلغ في الإخلاص وأبعد عن الرياء. ويكفي أن يقول الداعي: "اللهم اشفِ فلانًا، اللهم عافِهِ، اللهم ارفع عنه البلاء"، بأي صيغة عربية يطمئن إليها قلبه، فالعبرة بصدق التوجه إلى الله لا بحفظ لفظ معين.

آداب زيارة المريض والدعاء له

للدعاء للمريض وزيارته آداب أرشد إليها الشرع وحرص عليها السلف، أبرزها:

  • اختيار وقت مناسب: يُراعى وقت لا يُثقل على المريض ولا على أهله، وتُجنّب أوقات راحته وعلاجه.
  • تخفيف الزيارة: الأصل أن تكون العيادة قصيرة، فلا يُطيل الزائر الجلوس إلا أن يطلب المريض ذلك.
  • حضور القلب في الدعاء: يدعو الزائر بيقين واستحضار قلب، فالدعاء عبادة تستوجب الإقبال لا مجرد جريان اللسان.
  • تطييب خاطر المريض: بكلمات الرجاء مثل "لا بأس طهور إن شاء الله"، دون وعود قاطعة بشفاء عاجل، فذلك بيد الله وحده.
  • غض البصر وخفض الصوت: مراعاةً لخصوصية المريض وحالته، خاصة في المستشفيات.
  • طلب الدعاء من المريض نفسه: فدعاء المبتلى الصابر من الأدعية التي يُرجى قبولها.

ومن المهم التذكير بأن الدعاء لا يُغني عن الأخذ بالأسباب الطبية، بل يكمّلها؛ فقد قال النبي ﷺ: "تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ" [رواه أبو داود والترمذي وحسّنه]. فالمسلم يجمع بين اللجوء إلى الله بالدعاء والسعي إلى الأطباء والدواء، فكلاهما من كمال التوكل لا ينافيه.

تنبيهات مهمة عند الدعاء للمريض

ينتشر على مواقع التواصل عدد من العبارات المنسوبة للنبي ﷺ دون أصل صحيح، لذا يُستحب الاقتصار على الأدعية الثابتة في القرآن والسنة، أو الدعاء بأي لفظ عربي واضح المعنى يناسب حال المريض، دون التقيد بألفاظ لم تثبت نسبتها إليه ﷺ. كذلك يُنبَّه إلى أن الشفاء بيد الله وحده، فلا يُجزم للمريض بشفاء عاجل قطعي، بل يُدعى له مع تفويض الأمر لله وحسن الظن به؛ فقد يكون في تأخر الشفاء ابتلاء يرفع الله به الدرجات ويكفّر به الخطايا.

جدول سريع: اختر الدعاء المناسب لحالتك

يمكن الرجوع إلى هذا الجدول مباشرة لاختيار الدعاء الأنسب حسب موقفك:

الموقف الدعاء المناسب
زيارة مريض لم يحضر أجله أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك (تُكرر 7 مرات)
الدعاء الجامع بالشفاء التام أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا
تطييب خاطر المريض عند الجلوس معه لا بأس، طهور إن شاء الله
الشعور بألم في الجسد (رقية النفس) بسم الله (3 مرات)، ثم أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (7 مرات) مع وضع اليد على موضع الألم
الدعاء لمريض بعيد عنك (بظهر الغيب) أي دعاء بالشفاء تذكر فيه اسمه، فدعوة الغيب مستجابة ويُؤمّن عليها ملك موكَّل
الرقية بالقرآن الكريم قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذتين على المريض

أسئلة شائعة عن الدعاء للمريض

ما هو أفضل دعاء للمريض؟

من أفضل ما ورد دعاء: "أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا"، وهو دعاء ثابت متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها، ويجمع بين التوسل باسم الله "الشافي" وطلب الشفاء التام الذي لا يترك أثرًا للمرض.

كم مرة يُقال دعاء "أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك"؟

يُقال سبع مرات، كما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الترمذي، ويُشترط لرجاء تحقق أثره أن يكون المريض لم تظهر عليه علامات الاحتضار.

هل يجوز الدعاء للمريض في غيابه دون زيارته؟

نعم، بل هذا من أرجى الدعاء إجابةً؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ أن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، ويُوكَّل بها ملك يُؤمِّن عليها ويدعو للداعي بمثلها.

هل يجوز الدعاء لمريض غير مسلم بالشفاء؟

يجوز الدعاء لغير المسلم بالشفاء والعافية في أمور الدنيا، أما الدعاء له بالمغفرة أو دخول الجنة فلا يجوز، لاختلاف حكم أمور الآخرة عن أمور الدنيا.

هل الدعاء وحده كافٍ دون علاج طبي؟

لا، فالدعاء سبب روحي والعلاج سبب مادي، وكلاهما مأمور به شرعًا؛ فقد أمر النبي ﷺ بالتداوي وأخبر أن لكل داء دواء إلا الهرم، والأخذ بالسببين معًا هو كمال التوكل على الله.

ما الفرق بين الدعاء والرقية الشرعية؟

الدعاء طلب مباشر من الله بأي صيغة عربية واضحة المعنى، أما الرقية فهي قراءة آيات أو أدعية مأثورة مع النفث أو المسح على موضع الألم، وكلاهما مشروع ويكمّل أحدهما الآخر.

الدعاء للمريض عبادة يجمع فيها المسلم بين الرحمة بأخيه والتقرب إلى الله. فسواء دعوت بالمأثور عن النبي ﷺ، أو رقيت بآيات من كتاب الله، أو دعوت لمريض بعيد عنك بصدق، فأنت على خير عظيم بإذن الله. ولا تنسَ أن تجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب من علاج ومتابعة طبية، فذلك هو التوكل الحق الذي أرشد إليه ديننا الحنيف.

شارك هذا البحث مع إخوانك