طريقة الرقية الشرعية على الماء والزيت من أكثر الأسئلة التي يبحث عنها من يعاني من مسّ أو سحر أو عين أو حتى مرض عضوي عادي، خصوصًا مع انتشار مقاطع وصور على مواقع التواصل تخلط بين ما ثبت عن السلف والأئمة وبين اجتهادات بعض "الرقاة" غير الموثوقين.
في هذا المقال تجد الحكم الشرعي الدقيق لهذه المسألة بأدلته، وشروط الرقية الصحيحة، ونص الآيات والأدعية التي تُقرأ، وطريقة تحضير الماء والزيت خطوة بخطوة، وآداب الشرب الصحيحة التي أهملتها أغلب المقالات المنتشرة، إضافة إلى تنبيهات مهمة تحميك من استغلال بعض ضعاف النفوس لهذا الباب. وكل معلومة هنا موثّقة بمصدرها من كتب الحديث وفتاوى أهل العلم المعتبرين.
حكم الرقية الشرعية على الماء والزيت في الإسلام
الأصل في الرقية عمومًا الجواز، بل الاستحباب إذا خلت من الشرك؛ فعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ" [رواه مسلم]. وهذا الحديث هو الأصل الذي بنى عليه العلماء جواز أنواع الرقية جميعًا، ومنها الرقية على الماء والزيت خصوصًا.
أما الدليل الأقرب لهذه الصورة بالذات فحديث ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، وفيه أن النبي ﷺ دخل عليه وهو مريض فقال: "اكْشِفِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ"، ثم أخذ ﷺ ترابًا من بطحان، فجعله في قدح، ثم نفث عليه بماء وصبّه عليه [رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، وحسّن إسناده الشيخ ابن باز رحمه الله في مجموع فتاويه]. ووجه الدلالة أن النبي ﷺ استعمل الماء بعد النفث فيه وسيلةً لعلاج المريض، وهذا هو جوهر الرقية على الماء.
ومما يُستأنس به أيضًا ما ذكره الحافظ ابن بطال رحمه الله عن وهب بن منبه في صفة رقية معروفة عند السلف: يأخذ سبع ورقات سدر أخضر فيدقّها بين حجرين، ثم يضربها بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل الثلاث (قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس)، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل بالباقي.
كما ثبت عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من رواية ابنه صالح أنه كان إذا اعتلّ أخذ أبوه قدحًا فيه ماء فقرأ عليه، وقال له: اشرب منه واغسل وجهك ويديك، وروى عنه ابنه عبد الله أنه رآه يتعوّذ في الماء ويقرأ عليه ويشربه ويصبّ منه على نفسه. فهذه آثار صحيحة عن إمام جليل من أئمة أهل السنة تدل على أن هذا العمل معروف عند القرون الفاضلة، وليس بدعة محدثة كما يظن بعض الناس.
وأما الزيت فحكمه عند أهل العلم كحكم الماء تمامًا بجامع أن كليهما وعاء يُقرأ فيه ثم يُستعمل، فقد جاء في فتاوى الشبكة الإسلامية (فتوى رقم 269215) أن "الرقية في الماء، وشربه، والاغتسال به أجازها أهل العلم، كما أجازوا القراءة في الزيت، وأكله، والادهان به". وأفتى الشيخ ابن باز رحمه الله بنص واضح في هذه المسألة: "لا حرج في الرقية في الماء، ثم يشرب مثل المريض، أو يغتسل به، كل هذا لا بأس به".
ومن الأمانة العلمية أن يُذكر هنا رأي الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، فقد سُئل بالنص عن القراءة على الماء والزيت وشربهما، فأجاب بدقة قلّ نظيرها: إن هذه الصورة بعينها -قراءة الراقي في إناء ثم شرب المريض منه- "لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام" نصًّا صريحًا، وأقرب ما ورد عنه ﷺ هو النفث بريقه على التراب لعلاج الجروح: "تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا" [متفق عليه]، وهو موضع آخر مختلف. ثم أضاف رحمه الله: "ولكن ورد عن السلف والأئمة ما يقتضي جواز ذلك: أن القارئ يقرأ في الماء ويشربه المريض"، فأثبت الجواز بناءً على عمل السلف لا بنص خاص فيه.
وهذا بالضبط ما تؤكده هذه الآثار المنقولة عن الإمام أحمد ووهب بن منبه أعلاه. وقد وافقه على هذا التفصيل مجمعُ الفتوى بالشبكة الإسلامية، ورُدّ برأي ابن باز وابن عثيمين واللجنة الدائمة للإفتاء رأيٌ معزول كان قد أنكر أصل القراءة في الماء بحجة عدم وجود سنة صريحة فيها.
والخلاصة: الرقية على الماء والزيت جائزة عند جمهور أهل العلم المعاصرين، مبنية على عموم أدلة الرقية، وعلى حديث ثابت بن قيس، وعلى عمل ثابت عن السلف والأئمة، لا على نص واحد صريح يقول "اقرأ في الماء واشربه" بلفظه، وهذا التفصيل هو ما يميّز الفتوى الدقيقة عن الكلام العام المنتشر في كثير من المواقع.
شروط صحة الرقية الشرعية
لا تُعتبر الرقية على الماء أو الزيت أو غيرهما "شرعية" إلا إذا اجتمعت فيها الشروط الثلاثة التي نص عليها أهل العلم -ومنهم الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري- استنادًا إلى قوله ﷺ: "لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ" [رواه مسلم]:
- أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، أو بما ثبت عن النبي ﷺ من الأدعية، فلا تجوز الرقية بألفاظ مجهولة المعنى أو طلاسم لا يُعرف مضمونها، لاحتمال أن تتضمن استغاثة بغير الله.
- أن تكون باللغة العربية، أو بلغة أخرى يُعرف معناها ولا تخالف الشرع، حتى يتأكد الراقي والمرقيّ أن ما يُقال لا يخالف العقيدة.
- أن يعتقد الراقي والمرقيّ أن الرقية سببٌ لا يؤثر بذاته، وأن الشافي هو الله وحده، فلا يُعلَّق القلب بالماء أو الزيت نفسه، وإنما بمن بيده الشفاء سبحانه.
فإذا توافرت هذه الشروط الثلاثة في القراءة على الماء أو الزيت، كانت رقية شرعية صحيحة لا حرج فيها بإذن الله.
آيات وأدعية الرقية الشرعية على الماء والزيت
يقرأ الراقي على الماء أو الزيت مجموعة من الآيات والأدعية الثابتة، ولا يشترط ترتيب معيّن بينها، ويكفي أن يقرأ ما تيسر له منها بحضور قلب:
1. سورة الفاتحة (تُقرأ سبع مرات استحبابًا)، لثبوت الاستشفاء بها في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الطويل في قصة الصحابي الذي رقى سيد الحي بالفاتحة فبرئ [متفق عليه]. ونصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) [الفاتحة: 1-7].
2. آية الكرسي، وهي من أعظم آيات الحفظ والرقية، ونصها:
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: 255].
3. المعوذات الثلاث (الإخلاص والفلق والناس)، ثبت عن النبي ﷺ أنه كان ينفث بهما في يديه عند مرضه [رواه البخاري]، ونصها:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص: 1-4]
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) [الفلق: 1-5]
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَٰهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) [الناس: 1-6]
4. آيات إبطال السحر، وهي آيات جمعها أهل العلم في باب الرقية من السحر لما فيها من بيان أن كيد الساحر لا يفلح، ولم يثبت عن النبي ﷺ تخصيصها بعدد لازم، فتُقرأ استعانة بالله دون جزم بأن كل تعب سببه سحر. منها قوله تعالى في شأن هاروت وماروت:
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة: 102]،
وقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام لسحرة فرعون:
فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 81]، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ [طه: 69]،
وقوله تعالى في مطلع سورة الملك:
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) [الملك: 3-4]،
وقوله تعالى في سورة القلم:
وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52) [القلم: 51-52].
ومن أراد الاستزادة فآيات سورة الأعراف (117-122) في قصة سحرة فرعون أيضًا من الآيات التي يذكرها أهل العلم في هذا الباب، ويمكن الرجوع إليها في المصحف مباشرة.
5. دعاء رقية جبريل عليه السلام للنبي ﷺ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم، فقال جبريل: "بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ" [رواه مسلم].
6. دعاء "أذهب الباس"، وهو الدعاء الذي كان النبي ﷺ يقوله للمريض، فعن عائشة رضي الله عنها: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى مَرِيضًا يَعُودُهُ قَالَ: أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا" [متفق عليه].
طريقة الرقية الشرعية على الماء خطوة بخطوة
هذه الخطوات مستخلصة مما ورد عن النبي ﷺ في حديث ثابت بن قيس، وما ثبت عن السلف والأئمة كما سبق:
- النية: ينوي الراقي القراءة طلبًا للشفاء بإذن الله، دون اعتقاد أن الماء نفسه يشفي.
- إحضار ماء طاهر: يكفي أي ماء طاهر صالح للشرب، ولا يُشترط ماء زمزم أو نوع معيّن، وإن كان ماء زمزم أفضل لِما ثبت من فضله وأنه "لما شُرب له".
- القراءة مباشرة في الإناء أو النفث بعد القراءة: يقرأ الراقي الآيات والأدعية السابقة وهو قريب من الإناء، ثم ينفث فيه نفثًا خفيفًا (وهو نفخ لطيف يخرج معه شيء يسير من الريق)، اقتداءً بفعله ﷺ في حديث ثابت بن قيس، وحديث عائشة في المعوذات: "جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا" [رواه البخاري].
- التكرار: يُستحب تكرار الفاتحة والمعوذات سبع مرات كما ورد في هدي السلف، ولا حرج في الاقتصار على مرة واحدة مع الإخلاص وحضور القلب.
- الاستعمال: بعد الانتهاء، يُستعمل الماء بأحد وجهين أو كليهما: الشرب منه، أو الاغتسال والمسح به على موضع الألم أو الجسد كله.
طريقة الرقية الشرعية على الزيت وكيفية استخدامه
تُقرأ على الزيت الآيات والأدعية نفسها التي تُقرأ على الماء بالطريقة ذاتها: نية، ثم قراءة، ثم نفث خفيف في وعاء الزيت. ويصح استعمال أي زيت طاهر نظيف، ويُفضّل زيت الزيتون خصوصًا لِما ثبت من بركته، فعن أبي أسيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" [رواه الترمذي وأحمد، وصححه الألباني بمجموع طرقه].
ويختلف الزيت عن الماء غالبًا في طريقة الاستعمال بعد الرقية؛ فالأصل فيه أن يُدهن به الجسد أو موضع الألم أو الشعر مسحًا خفيفًا، خصوصًا في حالات المس والسحر التي قد يُوصف فيها ألم أو خدر في موضع معيّن، ولا حرج مع ذلك في تناول قدر يسير منه بالفم كما تناول الماء تمامًا، فقد سبق في فتوى الشبكة الإسلامية إجازة العلماء "أكل" الزيت المقروء عليه كما أجازوا شربه واستعماله، فالحكم فيهما واحد، والفارق فقط في غلبة الاستعمال العملي لا في الجواز الشرعي.
كيفية شرب ماء الرقية وزيتها بالطريقة الصحيحة
هذا هو الجانب الذي تتجاهله أغلب المقالات المنتشرة رغم أهميته العملية، وتفصيله كالآتي:
- الشرب على شكل حسوات لا جرعة واحدة: الوارد عن السلف -كما في أثر وهب بن منبه المتقدم- أن يُشرب الماء المقروء عليه على ثلاث حسوات (رشفات بطيئة)، لا أن يُجرع دفعة واحدة، فذلك أقرب إلى هدي الاعتدال في الشرب المعروف في السنة عمومًا، وأدعى لاستحضار القلب أثناء الشرب.
- استحضار المعنى والإيمان بأن الشافي هو الله: يشرب المسلم وهو مستحضر أن النفع بإذن الله لا بذات الماء أو الزيت، فهذا هو الشرط الثالث من شروط صحة الرقية المذكورة أعلاه، ومن أخلّ به فقد أخلّ بأهم ركن في المسألة.
- لا يشترط عدد أيام معيّن: لم يرد عن النبي ﷺ عدد أيام أو مرات محددة لشرب ماء الرقية، فيشرب المسلم منه كلما احتاج، ويكرر القراءة على ماء جديد متى نفد الأول، دون تحديد "علاج" من ثلاثة أيام أو سبعة كما يشيع بعض المعالجين دون دليل، إلا في حال ذكر الراقي الموثوق مدةً بناءً على اجتهاده وخبرته لا على أنها سنة ثابتة.
- لا يُغني شرب الماء أو الزيت عن الرقية المباشرة: نص أهل العلم على أن قراءة الراقي مباشرة على المريض بالنفث عليه "أولى وأفضل وأكمل" من القراءة في الماء أو الزيت، فإن تيسّر الجمع بينهما فهو الأكمل، وإن تعذر حضور المريض اكتُفي بالماء أو الزيت.
- يجوز شرب جزء واستعمال الباقي خارجيًا: فيشرب المسلم قدرًا، ويغسل به وجهه ويديه أو موضع الألم كما فعل الإمام أحمد مع ابنه، ولا يلزم قصر الاستعمال على وجه واحد.
حكم فضلات ماء وزيت الرقية وكيفية التخلص منها
لا يأخذ الماء أو الزيت المقروء عليه حكم المصحف نفسه، فهو ماء أو زيت عادي بركته من القراءة عليه فقط، ولذلك:
- لا يُشترط الوضوء لِمَسّه أو حمله، ويجوز للحائض ومن هو على غير طهارة استعماله دون حرج، لأن المنع الوارد في مسّ المصحف خاص بالمصحف ذاته لا بالماء الذي قُرئ عليه.
- لا حرج في إضافة ماء آخر غير مقروء عليه إلى الماء المقروء عليه لتدفئته أو لزيادة كميته، ولا يُبطل ذلك أثر القراءة.
- إذا زاد شيء من الماء بعد الاستعمال، يُستحسن التخلص منه في مكان طاهر كسقي التراب أو النبات به، أو تركه يجفّ في الشمس، تأدبًا لا وجوبًا، وتجنبًا لصبّه مباشرة في أماكن النجاسة.
تنبيهات وتحذيرات مهمة قبل الرقية على الماء والزيت
مع اتساع انتشار هذا النوع من الرقية، نبّه أهل العلم إلى عدة أمور يجب الانتباه لها:
- الحذر من تحويل الرقية إلى تجارة: سُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن بعض القراء الذين يقرؤون على الماء والزيت ثم يبيعونهما للناس بأسعار محددة لكل سورة، فأنكر ذلك أشد الإنكار، وبيّن أن جعل السعر آية الكرسي بكذا والفاتحة بكذا يُفسد إخلاص القارئ، إذ يصبح مقصوده الدنيا لا الآخرة، وهذا ينعكس على عدم انتفاع الناس بقراءته.
- الحذر من الرقاة غير الموثوقين: انتشر في السنوات الأخيرة من يستغل حاجة المرضى ويطلب مبالغ كبيرة، أو يدّعي معرفة الغيب، أو يطلب أمورًا محرمة بحجة "فك السحر"، فمن فعل ذلك فهو دجّال لا راقٍ شرعي، ولا يجوز اللجوء إليه بحال، ويجب التحري عن التزام من يُقصد للرقية بالكتاب والسنة قبل الوثوق به.
- عدم الجزم بأن كل تعب سببه سحر أو عين: نبّه أهل العلم على أن الآيات التي تُقرأ في هذا الباب تُقرأ استعانة بالله وطلبًا للشفاء والحفظ، لا لأن كل مكروه يصيب الإنسان لا بد أن يكون من سحر أو حسد، فالأصل حسن الظن بالله وطلب الأسباب الطبية أيضًا إلى جانب الرقية، دون تشخيصات لا دليل عليها تُدخل القلق والوسواس.
- التفريق بين القراءة والنفث وبين كتابة القرآن وغسلها: ما سبق ذكره في هذا المقال خاص بالقراءة الصوتية والنفث في الماء أو الزيت. أما كتابة آيات من القرآن بمداد مباح ثم غسلها وشرب مائها، فهي مسألة أخرى فيها خلاف بين أهل العلم، وقد رخّص فيها جماعة من السلف كما نقل ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، بينما توقف فيها آخرون، فلا تُدرج تحت الحكم نفسه دون تفصيل.
جدول سريع: خطوات الرقية على الماء والزيت
يمكن الرجوع إلى هذا الجدول لمراجعة الخطوات بسرعة:
| الخطوة | كيفية التنفيذ |
|---|---|
| 1. النية | طلب الشفاء من الله وحده، مع اليقين أن الماء أو الزيت مجرد سبب |
| 2. تحضير الوعاء | ماء طاهر أو زيت طاهر (يُفضّل زيت الزيتون)، في إناء نظيف |
| 3. القراءة | الفاتحة، آية الكرسي، المعوذات، آيات إبطال السحر، دعاء الرقية |
| 4. النفث | نفث خفيف في الإناء بعد كل قراءة أو بعد إتمامها |
| 5. استعمال الماء | الشرب على حسوات + الاغتسال أو المسح بالباقي |
| 6. استعمال الزيت | الدهن على موضع الألم أو الجسد، ويجوز تناول جزء يسير منه |
| 7. الفاضل من الماء أو الزيت | يُتخلص منه في مكان طاهر كالتراب، دون حرج في مسّه بلا وضوء |
أسئلة شائعة عن الرقية الشرعية على الماء والزيت
هل يجب الوضوء قبل القراءة على الماء أو الزيت؟
الوضوء ليس شرطًا لصحة الرقية، فيجوز للراقي أن يقرأ وهو على غير وضوء، لكنه أفضل وأكمل تأدبًا مع كلام الله تعالى، وليس شرطًا لازمًا لصحة العمل.
هل يجوز شرب ماء الرقية أو استعمال زيتها في فترة الحيض أو بغير طهارة؟
نعم لا حرج في ذلك؛ فالماء أو الزيت المقروء عليه ليس هو المصحف نفسه حتى يُمنع منه الحائض أو من هو على غير طهارة، وإنما هو ماء أو زيت عادي اكتسب بركة من القراءة، فيجوز لكل أحد استعماله والشرب منه.
كم مرة أشرب من ماء الرقية في اليوم، وكم يوماً أستمر؟
لم يرد في ذلك عدد ثابت عن النبي ﷺ، فيشرب المسلم منه كلما احتاج وبالقدر الذي يناسبه، ويكرر القراءة على ماء جديد بحسب حاجته، دون تقيّد بمدة معينة كثلاثة أو سبعة أيام إلا إن كانت توصية اجتهادية من راقٍ موثوق بحسب حال المريض.
هل يشترط نوع معين من الماء كماء زمزم، أو نوع معين من الزيت كزيت الزيتون؟
لا يُشترط ذلك، ويصح بأي ماء طاهر أو أي زيت طاهر صالح للاستعمال، وإنما ماء زمزم وزيت الزيتون أفضل من غيرهما لما ثبت فيهما من فضل خاص، لا لأن غيرهما لا يصح.
هل يجوز بيع الماء أو الزيت المقروء عليه أو أخذ أجرة على قراءته؟
يجوز عند جمهور أهل العلم أخذ أجرة معقولة على الرقية عمومًا، لثبوت أخذ الصحابة أجرًا على رقية الفاتحة وإقرار النبي ﷺ لهم [متفق عليه]، لكن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حذّر من تسعير كل سورة بسعر محدد وتحويل الأمر إلى محل تجاري بحت، لأن ذلك يُخشى منه فساد النية، فالأولى الاقتصار على أجرة معتدلة دون مغالاة أو تسعير مقنّن لكل آية.
ما الفرق بين القراءة في الماء وكتابة آيات القرآن ثم غسلها وشربها؟
القراءة في الماء هي تلاوة الراقي للآيات بصوته ثم النفث في الإناء، وهذا ما تناوله هذا المقال. أما كتابة آيات القرآن بمداد مباح على إناء أو ورقة ثم غسلها وشرب مائها، فمسألة أخرى محل خلاف بين أهل العلم، أجازها بعض السلف كما نقل ابن القيم في زاد المعاد، وتحرّج منها آخرون، فلا يُقاس أحد الأمرين على الآخر دون تفصيل.
هل تنفع الرقية على الماء والزيت شخصًا غائبًا لا يحضر عندي؟
نعم، يجوز أن يقرأ الإنسان على ماء أو زيت بنية الرقية لشخص غائب كأحد أقاربه المرضى، ثم يُرسله إليه ليشربه أو يستعمله، ولا يُشترط حضور المريض وقت القراءة نفسها.
الرقية الشرعية على الماء والزيت رخصة واسعة من رحمة الله بعباده، أباحها أهل العلم قديمًا وحديثًا لمن أراد طلب الشفاء بكلام الله معتقدًا أن النفع بيد الله وحده، لا بذات الماء أو الزيت. فإن قرأتَ بيقين وإخلاص، وأخذتَ بالأسباب المشروعة الأخرى من طب وغيره، فأنت على خير عظيم إن شاء الله، سواء نفع في وقته أو تأخر النفع لحكمة يعلمها الله. نسأل الله لك ولكل مريض الشفاء والعافية.
المحتوى المنشور في هذا المقال مُعدّ لأغراض التثقيف والإرشاد العام فقط، ولا يُعتبر بأي حال من الأحوال بديلاً عن الاستشارة الطبية أو النفسية التخصصية، أو الفتاوى الشرعية المخصصة للحالات الفردية. نوصي دائماً بمراجعة الجهات الإفتائية الرسمية أو أهل العلم المعتمدين في المسائل الفقهية، والتوجه فوراً للأطباء والأخصائيين المؤهلين للتشخيص الطبي والعضوي والنفسي قبل تطبيق أي توصيات عامة أو ممارسات للرقية الشرعية.