المدونة الإسلامية

دعاء السفر المسنون كامل مكتوب: الأدعية الصحيحة من القرآن والسنة

تم النشر في: 2026-07-20 | بحوث إسلامية وفقهية موثقة

دعاء السفر بصيغته الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ هو ما يبحث عنه كل مسافر يريد أن يستفتح رحلته -سواء كانت للعمل أو السياحة أو الحج والعمرة- بما ورد في السنة النبوية، بعيدًا عن العبارات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي التي لا سند لها في القرآن أو الحديث. في هذا المقال الدعاء الكامل الذي كان يقوله النبي ﷺ عند الخروج للسفر كما رواه الإمام مسلم في صحيحه، وأصل هذا الدعاء في القرآن الكريم، والصيغة الكاملة عند ركوب الدابة أو السيارة أو الطائرة خطوة بخطوة، ودعاء النزول في الطريق، ودعاء توديع المسافر، ودعاء الرجوع من السفر. وكل دعاء هنا مذكور بمصدره من كتب الحديث ودرجته عند العلماء، ليطمئن قلبك أنك تدعو بما صح عن رسول الله ﷺ.

فضل دعاء المسافر وسبب استجابته

جعل الإسلام للمسافر مكانة خاصة في باب الدعاء؛ فسفر المسلم مظنة المشقة والوحشة والغربة عن الأهل والوطن، فوعده النبي ﷺ بأن دعاءه في سفره من الدعوات التي لا يُرد صاحبها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ" [رواه أبو داود والترمذي، وحسّنه الألباني]. وقيّد أهل العلم هذا الفضل بأن يكون سفر العبد في أمر مباح لا في معصية، فمن سافر لمعصية لم يدخل في هذا الوعد.

ولهذا كان النبي ﷺ يعلّم أصحابه أذكار السفر كافة: عند الخروج، وعند ركوب وسيلة النقل، وعند النزول في الطريق، وعند التوديع، وعند الرجوع، حتى يظل المسافر في معية الله من أول لحظة في رحلته إلى آخرها.

أصل دعاء السفر في القرآن الكريم

لم يترك القرآن الكريم المسافر بلا توجيه؛ فقد علّم الله عباده ماذا يقولون حين يركبون وسيلة سفرهم، سواء كانت دابة أو سفينة، وبالقياس عند أهل العلم أي وسيلة نقل أخرى كالسيارة أو الطائرة. يقول الله تعالى: "لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" [الزخرف: 13]، ثم يقول سبحانه: "وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ" [الزخرف: 14]. فسّر المفسرون كلمة "مُقْرِنِينَ" بأنها بمعنى مطيقين ضابطين؛ أي: ما كنا قادرين على تسخير هذه الوسيلة وامتلاك زمامها لولا أن الله ذلّلها لنا. ومن هذه الآية أخذ النبي ﷺ فاتحة دعاء السفر الذي علّمه أصحابه، ثم زاد عليها دعوات أخرى تناسب حال المسافر، كما سيأتي.

دعاء السفر الكامل من السنة الصحيحة (نص الحديث بكامله)

الدعاء الأصح والأشهر في هذا الباب رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبّر ثلاثًا، ثم قال:

"سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ" [رواه مسلم].

يجمع هذا الدعاء بين معانٍ عظيمة: التسبيح والتكبير في افتتاحه، والاعتراف بنعمة تسخير وسيلة السفر، وسؤال الله البر والتقوى والعمل الصالح في الرحلة، وطلب التيسير وقصر المسافة معنويًا، والاستعانة بالله صاحبًا في الطريق وخليفة حافظًا للأهل من ورائه، والاستعاذة من مشقة السفر البدنية، ومن كآبة المنظر التي تُحزن القلب في الغربة، ومن أن يرجع المسافر فيجد سوءًا في ماله أو أهله.

الصيغة الكاملة عند ركوب الدابة أو السيارة أو الطائرة (خطوة بخطوة)

بيّنت السنة صيغة أوسع تُقال عند الركوب تحديدًا، توضح للمسافر ماذا يقول من لحظة وضع قدمه في وسيلة النقل إلى استقراره فيها. فعن علي بن ربيعة قال: شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أُتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: "بِسْمِ اللَّهِ"، فلما استوى على ظهرها قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ"، ثم قال: "سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ"، ثم حمد الله ثلاث مرات وكبّره ثلاث مرات، ثم قال: "سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ"، ثم ضحك رضي الله عنه، فقيل له: يا أمير المؤمنين، من أي شيء ضحكت؟ فقال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت ثم ضحك، فسألته: يا رسول الله، من أي شيء ضحكت؟ فقال: "إِنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي" [رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن].

هذه الصيغة تصلح لكل وسيلة نقل بلا استثناء؛ فلا فرق شرعًا بين الركوب على دابة أو الجلوس في سيارة أو الاستقرار في مقعد طائرة، إذ العبرة بفعل الركوب لا بنوع المركوب، وهذا ما يقرره أهل العلم عند شرح الآية والحديث معًا. ويكفي المسافر أن يقول الذكر الأساسي "سبحان الذي سخر لنا هذا" وحده إن لم يتيسر له استحضار بقية الزيادة، لكن الأكمل اتباع الصيغة النبوية بحذافيرها كلما أمكن ذلك.

دعاء النزول في الطريق أثناء السفر

لا يقتصر دعاء السفر على لحظة الانطلاق، بل شرع النبي ﷺ ذكرًا يُقال عند كل توقف أو نزول في محطة أو استراحة أثناء الطريق. فعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ" [رواه مسلم]. فمن السنة أن يقول المسافر هذا الذكر كلما توقف في محطة استراحة أو فندق أو أي مكان يقيم فيه ولو لساعات قليلة، ليكون في حفظ الله حتى يواصل رحلته.

دعاء توديع المسافر

من هدي النبي ﷺ توديع من يريد السفر بدعاء خاص. فعن سالم بن عبد الله أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول للرجل إذا أراد سفرًا: ادنُ مني أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا، فيقول: "أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ" [رواه أبو داود والترمذي -وقال: حديث حسن صحيح غريب- وابن ماجه، وصححه الألباني].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ودّعني رسول الله ﷺ فقال: "أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ" [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني]. ويصح أن يقول المسافر هذه الصيغة أيضًا لمن يُخلّفهم وراءه بلفظ الجمع: "أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه".

وثبت أيضًا أن رجلاً طلب من النبي ﷺ أن يزوّده لسفره، فقال له ﷺ: "زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى"، فقال الرجل: زدني، فقال: "وَغَفَرَ ذَنْبَكَ"، فقال: زدني بأبي أنت وأمي، فقال: "وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ" [رواه الترمذي وصححه الألباني]. فهذه ثلاث صيغ ثابتة يودَّع بها المسافر، للمسلم أن يختار منها ما شاء أو يجمع بينها.

دعاء الرجوع من السفر

كما شُرع دعاء عند الخروج، شُرع دعاء عند العودة أيضًا. فقد ورد في حديث ابن عمر السابق نفسه أن النبي ﷺ كان إذا رجع من سفره قال الدعاء ذاته، وزاد فيه: "آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ" [رواه مسلم]. ومعنى هذه الزيادة أن المسافر يقر بأنه عائد إلى بلده، تائب إلى ربه من كل ذنب، مستمر على عبادته، حامد له سبحانه على تمام النعمة بالسلامة والعودة.

متى يُقال دعاء السفر وآدابه

يُستحب أن يُقال دعاء السفر (التكبير ثم سبحان الذي سخر لنا هذا وما بعده) عند بداية الرحلة الفعلية، أي عند استواء المسافر على وسيلة نقله وتحركها للانطلاق، لا عند مجرد الخروج من البيت أو الوصول إلى المطار أو المحطة. وبيّن أهل العلم أن الدعاء الجامع الطويل (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى...) يُقال عند استفتاح السفر، أما ذكر "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" فيُستحب تكراره في كل مرة يركب فيها المسلم وسيلة نقل جديدة ولو تعددت مراكبه في الرحلة الواحدة، لأنه ذكر ركوب عام يُقال سفرًا وحضرًا وليس خاصًا بالسفر وحده.

ومن آداب السفر المستحبة أيضًا: تجديد النية بأن يكون السفر في أمر مباح لا معصية، والصدقة قبل الخروج، وتوديع الأهل والدعاء لهم بالحفظ، والإكثار من الدعاء طوال الرحلة، لأن دعوة المسافر مستجابة كما تقدم.

تنبيه: احذر الأدعية غير الموثقة عند السفر

ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي عدد من العبارات التي تُقدَّم على أنها "دعاء سفر" خاص بالسيارة أو الطائرة أو الحج، دون أن يكون لها سند صحيح في كتب الحديث المعتمدة. والصواب أن دعاء السفر الثابت عن النبي ﷺ واحد بصيغته الجامعة السابقة، يصلح لكل سفر أيًا كانت وسيلته أو وجهته، ولا حاجة للبحث عن صيغ بديلة له. فإن أراد المسافر أن يزيد على الأذكار الثابتة، فله أن يدعو بما شاء من الدعاء المباح بأي لفظ عربي واضح المعنى، فباب الدعاء بعد الأذكار المأثورة مفتوح، لكن دون أن يُنسب ما يقوله إلى النبي ﷺ ما لم يثبت ذلك عنه.

جدول سريع: دعاء السفر لكل موقف

يمكن الرجوع إلى هذا الجدول مباشرة لمعرفة الدعاء المناسب لكل مرحلة من رحلتك:

الموقف الدعاء المناسب
بداية السفر (بعد الاستواء على وسيلة النقل) الله أكبر (×3)، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون... إلى آخر الدعاء الكامل
لحظة الركوب نفسها (من وضع القدم إلى الاستقرار) بسم الله (عند وضع القدم)، الحمد لله (عند الاستقرار)، ثم سبحان الذي سخر لنا هذا...
التوقف أو النزول في محطة أثناء الطريق أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق
توديع المسافر أو من يُخلّفهم وراءه أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك / أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
الرجوع من السفر نفس دعاء السفر، ويُزاد فيه: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون

أسئلة شائعة عن دعاء السفر

هل يوجد دعاء مختلف للسفر بالطائرة أو السيارة عن دعاء السفر بالدابة؟

لا يوجد دعاء خاص منصوص لكل وسيلة نقل على حدة؛ فالدعاء النبوي الثابت "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" عام يشمل كل وسيلة يركبها المسلم، دابة كانت أو سيارة أو طائرة أو سفينة، لأن العبرة في الحديث والآية بفعل الركوب لا بنوع المركوب.

متى بالضبط يُقال دعاء السفر؟

يُقال عند استواء المسافر على وسيلة نقله وبدء تحركها فعليًا للانطلاق، وليس عند الخروج من البيت أو قبل الوصول إليها.

هل يُكرر دعاء السفر إذا ركب المسافر أكثر من وسيلة نقل في رحلته الواحدة؟

نعم، يُستحب أن يقول "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" في كل مرة يركب فيها وسيلة نقل جديدة، أما الدعاء الجامع الطويل "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا..." فيكفي قوله مرة واحدة عند استفتاح السفر.

هل دعاء المسافر مستجاب فعلاً؟

نعم، أخبر النبي ﷺ أن دعوة المسافر من ثلاث دعوات لا شك في استجابتها، بشرط ألا يكون سفره في أمر محرّم.

ما الفرق بين دعاء الركوب ودعاء السفر؟

دعاء الركوب هو "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" ويُقال عند كل ركوب سفرًا كان أو حضرًا، أما دعاء السفر بمعناه الأشمل فيضيف إليه الدعوات الخاصة بالسفر مثل "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى" التي تُقال عند استفتاح الرحلة تحديدًا.

دعاء السفر عبادة يجمع فيها المسافر بين أنس ذكر الله وطلب حفظه وتوفيقه في رحلته. فسواء استفتحت سفرك بالدعاء الجامع الثابت عن النبي ﷺ، أو التزمت الصيغة الكاملة عند الركوب، أو ودّعت أهلك بأدعية السنة الصحيحة، فأنت على خير عظيم بإذن الله. ولا تنسَ الأخذ بأسباب السلامة المادية من فحص وسيلة النقل والتأكد من سلامة الطريق، فذلك من تمام التوكل الذي أرشد إليه ديننا الحنيف.

شارك هذا البحث مع إخوانك